منوعات

السعودية وبريطانيا .. طفرة بين اقتصاد حيوي وقدرات متمرسة

مقدار الحفاوة والتقدير اللذين حظيت بهما زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، لبريطانيا يمكن القول بدرجة عالية من الثقة بأنه غير مسبوق، وفقا لمختصين بريطانيين.
ووفقا لأغلب الخبراء في مجال البروتوكول والمراسم التي تحكم زيارة المسؤولين الدوليين إلى المملكة المتحدة، فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان لبريطانيا، تعد زيارة غير مسبوقة بناء على المعايير البروتوكولية، حيث لا تسعف الذاكرة كثيرا من الخبراء البريطانيين في تذكر زيارة مسؤول حظيت بتلك الدرجة من الاهتمام.
فما يمكن الجزم به الآن، أن الزيارة التي تضمنت استقبالا من الملكة إليزابيث الثانية لولي العهد في قصر باكنجهام، ومأدبة الغذاء على شرف الضيف الزائر، تعد لفتة شبه نادرة من ملكة بريطانيا في استقبال مسؤول غير رأس الدولة.
كما تضمنت الزيارة تناول العشاء مع ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز، التي سبقها جولة من المباحثات مع رئيسة الوزراء تيريزا ماي في مقر رئاسة الوزراء تناولت أوجه التعاون السياسي والاقتصادي بين الرياض ولندن.
ويقول لـ"الاقتصادية" اندرو دين الخبير في أنظمة البروتوكولات والمراسم في المملكة المتحدة، "درجة ونوعية الاستقبال الذي يحظى بها الزوار الرسميون للمملكة المتحدة، لا تتم اعتباطا، وإنما تعد تعبيرا عن درجة الاهتمام بالضيف الزائر، وحجم وأهمية العلاقة التي تربط المملكة المتحدة ببلده، كما تكشف أيضا التقدير الخاص بشخصه، فاللقاء وتناول الغذاء أو العشاء مع الملكة، وقضاء بعض الوقت مع رئيس أو رئيسة الوزراء في المنزل الريفي الرسمي، تعد أعلى درجات التقدير في البروتوكول البريطاني، ولا تجرى إلا مع مسؤولي الدول الحليفة الذين تربطهم بالمملكة المتحدة علاقة استراتيجية وطيدة".
وربما تتجلى تلك العلاقة الاستراتيجية في إعلان مكتب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عن الاتفاق مع ولي العهد على مجموعة خطط لتعزيز التبادل التجاري والاستثماري بقيمة 65 مليار جنيه استرليني، أي ما يتجاوز الـ 90 مليار دولار على مدار الأعوام المقبلة، وإذ يتجلى التعاون الاستراتيجي في جانبه الاقتصادي بين البلدين في تلك الاتفاقيات، فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان تتضمن دعوة نادرة لم تمنح إلا لقليل جدا من الشخصيات الزائرة لبريطانيا، وتتمثل في حضور ولي العهد اجتماعا لمجلس الأمن القومي البريطاني.
وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور كورنول جراند أستاذ النظرية السياسة وأحد المهتمين بعلاقات بريطانيا بمنطقة الشرق الأوسط، أن الزيارة تبعث برسالة قوية للدول الإقليمية التي تعمل على زعزعة منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا إيران، بأن العلاقات البريطانية - السعودية علاقات استراتيجية تتجاوز التعاون الاقتصادي والتجاري بمراحل، وأن التنسيق بين البلدين يتم على أعلى المستويات.
ويعول كثير من الخبراء ورجال الأعمال أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من التعاون وخاصة في المجال المالي.
ويقول فيكتور دين الخبير المصرفي والاستشاري في مجموعة نت وست المصرفية لـ"الاقتصادية"، إن "هناك رغبة كبيرة من قبل النظام المصرفي البريطاني عامة، والبورصة البريطانية خاصة في إحداث طفرة نوعية في أبعاد العلاقة الثنائية مع السعودية، فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يتطلب من رؤساء مجالس إدارات المصارف البريطانية البحث عن شركاء جدد، ومع ضرورة امتلاك هؤلاء الشركاء قدرة مالية لتمويل تلك الشراكة مقابل الخبرات البريطانية، فالأهم أن يكون لديهم قرار على أعلى المستويات بإحداث طفرة نوعية في نظمهم المالية، وهذا يتوفر تماما في الحالة السعودية".
ويضيف، "الأمر لا يتوقف فقط على بنية جيدة للخدمات المالية متاحة في السعودية، ولكن الأهم أن "رؤية 2030" أدخلت تطورات جذرية في مفاهيم إدارة السوق في المملكة، فالشفافية الاقتصادية باتت الآن عنصرا حاكما في إدارة الاقتصاد السعودي، وترافق ذلك مع حرب جادة تعمل على استئصال الفساد، وبذلك يتوفر حاليا للمملكة القدرة على التحول خلال السنوات الخمس المقبلة من مركز مالي ذي صبغة محلية إلى مركز مالي عالمي، خاصة في ظل الرغبة الحقيقية لولي العهد في دفع جهود القطاع الخاص في هذا المجال الحيوي".
تتفق وجهة النظر تلك مع رؤية جورج جودمان المحلل المالي في بورصة لندن، الذي يعلق لـ"الاقتصادية" قائلا، " سوق المال السعودية يعد أحد أهم أسواق المال في الشرق الأوسط، وأغلب التوقعات تشير إلى أن طرح 5 في المائة من أسهم شركة أرامكو في أسواق البورصات الدولية، سيحمل في طياته طفرة نوعية في بورصة السعودية ذاتها، ولذلك فإن هناك حرص شديد من قبل البورصات العالمية، وتحديدا بورصة لندن لتعزيز علاقات التعاون مع سوق المال السعودية، إذ يضمن ذلك لبورصة لندن ترسيخ وجود استثنائي في الشرق الأوسط". مع هذا فإن بعض الاستراتيجيين البريطانيين ورغم تأكيدهم على أهمية وضرورة تعزيز أطر التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين، إلا أنهم يعتقدون أن زيارة ولي العهد تؤسس لما هو أكبر وأهم من قضية تعاون تجاري مؤقت قد تعصف به العواصف في بعض الأحيان.
يعتقد سام دمن أستاذ الاقتصاد الدولي والاستشاري السابق في البنك الدولي، أن التغير الأهم بالنسبة لبريطانيا في علاقتها بالسعودية يتجاوز توقيع مجموعة من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية، إذ يتمثل في التحول المجتمعي الذي أحدثته "رؤية المملكة 2030".
ويقول "الرؤية السعودية الجديدة تمثل في جوهرها تحولا في مسار إدارة المجتمع والاقتصاد السعودي، بحيث يمكن القول إن لدينا مرحلة أولى تمثلت في تأسيس الملك عبد العزيز لقيام الدولة السعودية على مجموعة من القيم المجتمعية والاقتصادية ذات الطابع التقليدي، الذي سمح باستقرار المجتمع لعقود، ولدينا مرحلة أخرى تتضمن تأسيسا جديدا ولكن بمعنى آخر، يقوم على إضفاء قيم العصر عبر تعزيز المبادرات الفردية والتغلب على العوائق البيروقراطية التي تعيق الاقتصاد السعودي من الانطلاق، ولذلك فإن بريطانيا ستكثف استثماراتها في المملكة خلال السنوات المقبلة في المجالات التي تتمتع فيها بمزايا نسبية، تؤهلها لاقتناص حصة ملائمة من النمو المتوقع في الاقتصاد السعودي".
ويضيف "هذا التعاون لا يقوم على دعم اقتصادي لمسار واحد، وإنما على توفير شراكة حقيقية بين البلدين، شراكة استراتيجية مبنية على منظومة القيم الاقتصادية الحديثة التي يعمل ولي العهد على تعزيزها، سواء عبر إضفاء مزيد من القوى العاملة في المملكة، بمنح النساء درجة أكبر من المساهمة في النشاط الاقتصادي، أو عبر تعزيز دور الشباب في صنع القرار الاقتصادي ذاته، وهذا بدوره يعني أننا أمام اقتصاد حيوي، يتطلب من الحكومة البريطانية دعمه بشدة، والعمل على مساندته في التغلب على العقبات التي تضعها بعض القوى الإقليمية أمامه".
ويشير إلى أن جهود ولي العهد لإزالة العراقيل التي تحول دون إخراج الاقتصاد السعودي من الدوائر الضيقة للنشاط الاقتصادي المرتبط بالنفط فقط، إلى منظومة اقتصادية حديثة ومواكبة للعصر، سيحصل على دعم تام من الحكومة البريطانية، وهو ما تجلى بشكل واضح في تعليقات المسؤولين البريطانيين بالإشادة برؤية ولي العهد الإصلاحية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من منوعات