النموذج الصيني لتوطين التكنولوجيا الرقمية

|
وأخيرا ظهرت شركات تكنولوجيا صينية وصل عدد مستخدميها مليار مستخدم. وأخيرا أيضا، صرنا وجها لوجه أمام منافسة حامية الوطيس للسيطرة على التكنولوجيا الخوارزمية (الرقمية) بين العملاقين الاقتصاديين ـــ أمريكا والصين. أقول "التكنولوجيا الخوارزمية" تيمنا بالعالم أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي الذي ابتكر المعادلات الحسابية المبنية على خطوات وتسلسلات منطقية لتقديم حلول وخيارات رياضية يسيرة التطبيق لتسهيل شؤون الحياة وحل مشكلاتها. هذه الثورة التي نحن في خضمها الآن في طريقها إلى تغيير وجه البشرية. والعالم الذي بنى هذه الطفرة التكنولوجية الهائلة يعترف بجميل الخوارزمي. علماء اليوم يذكرون فضله ويقولون لولاه لربما تأخرت الثورة التكنولوجية الحديثة لألفية كاملة. بذور الثورة الرقمية زرعها هذه العالم الجليل في بغداد وفي بيت الحكمة في عهد الخليفة العباسي المأمون. بيد أن نمو هذه البذور ومن ثم قطف ثمارها استغرق أكثر من ألف عام وفي بلاد غير التي زرعها فيها الخوارزمي. والمنطق الخوارزمي جوهره التكرار والاختبار والتسلسل ومن ثم الابتكار، والخطوة الأخيرة أهم الخطوات. ولأن كل الخطوات أساسها المنطق، والمنطق يولد مع الإنسان ويميزه عن باقي الكائنات، صار من الصعوبة بمكان احتكار أي ابتكار يستند إلى الخوارزميات. قد تحتكر دولة أو دولتان أو مجموعة صغيرة من الدول صناعة الطائرات الحربية أو المدنية مثلا وتحافظ على الاحتكار هذا لعقود طويلة، ولكن الأمر يختلف مع التكنولوجيا الخوارزمية التي بدأت تغزو الدنيا بابتكاراتها. ورغم أن الثورة الصناعية الرقمية عمرها قد لا يتجاوز عقودا ثلاثة، وظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة، إلا أن عملية احتكارها تكاد أن تكون أمرا مستحيلا. كل عقل بشري في هذه الدنيا له من الطاقة المنطقية ما قد يوازي ما لدى الآخر رغم تباين الظروف. ما يحتاج إليه العقل المنطقي للانطلاق هو توافر الظروف الملائمة. وما كان للخوارزمي ونظرياته الحسابية المنطقية أن تظهر وأن تنمو لولا بيت الحكمة وعهد الخليفة المأمون. ولا يحتاج المنطق الإنساني إلى الانطلاق إلى كثير من الاستثمار الذي تحتاج إليه مثلا صناعة البتروكيماويات. استخدام المنطق جزء من حياتنا وتكويننا كبشر. وهكذا بدأ أشخاص عاديون ربما لم يكملوا دراستهم الجامعية ومن مختلف الدول يدخلون معترك الثورة الرقمية من أوسع الأبواب. ولأن المنطق رائد هذه الثورة، يتمكن في نهاية المطاف كثير من هؤلاء من تكرار واختبار التسلسلات ضمن عمليات حسابية دقيقة، والوصول إلى ابتكار نظم رقمية تقدم حلولا واستخدامات جديدة تزيح ما هو متعارف عليه. وأظن كلنا تقريبا على إلمام بقصص بعض أصحاب شركات الإنترنت العملاقة من الذين فشلوا في دراساتهم الجامعية ولكنهم استطاعوا تشغيل عقولهم بطريقة منطقية ومن ثم الوصول إلى ابتكارات غيرت وجه الدنيا. سقت هذه المقدمة "المنطقية" والطويلة بعض الشيء كي أدلل على أن المنطق الخوارزمي وليس العضلات العسكرية والصناعية التقليدية بدأ يقود العالم. قد تستمر مثلا سيادة أمريكا على كثير من الحلقات الصناعية التقليدية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية إلى زمن طويل، ولكن سيادتها على الثورة الرقمية التي بالكاد يتجاوز عمرها 30 عاما بدأت تترنح. في الصين مثلا لا وجود للشركات الأمريكية الرقمية العملاقة مثل "جوجل" و"فيسبوك" و"أمازون" و"تويتر" وغيرها. قام الصينيون بابتكار شركات رقمية خاصة بهم وصارت تكنولوجيتهم الرقمية من أكثر الصناعات توطينا. الشركات الرقمية الرائدة في الصين هي Alibab وBaidu Tencent وSINA Corp و Weibo. وهذه الأسماء الشهيرة في الصين ما هي إلا لشركات صينية عملاقة أخذت تنافس مثيلاتها الأمريكية من "أمازون" و"فيسبوك" و"جوجل" وغيرها. ولكن ما شدني أخيرا هو شركة WeChat الصينية التي تعد أول شركة رقمية صينية يعبر عدد مستخدميها مليار شخص. الرقم أقل بكثير مما لدى "فيسبوك" مثلا حيث يصل عدد المسجلين فيه إلى نحو مليار ونصف المليار، ولكن انطلاق هذه الشركة بهذه السرعة المذهلة وعلى الخصوص الخدمات الكثيرة والمتنوعة التي تقدمها للزبائن التي تفوق ما لدى أي شركة أمريكية أخرى، تجعلها في مصاف "فيسبوك". أن تعبر شركة صينية رقمية حاجز المليار وهي حديثة العهد فلعمري هذا يعد فتحا صينيا في الثورة الخوارزمية. الصين وطنت هذه التكنولوجيا، وشركاتها الرقمية أخذت تنافس مثيلاتها الأمريكية ليس ضمن السوق الصينية الهائلة وحسب، بل حتى خارج حدود الصين. فما السر يا ترى؟ لنترك الجواب إلى الأسبوع المقبل.
إنشرها