مبادرات التصدير واقتحام الأسواق العالمية

|
أصبح الاقتصاد عالميا مترابطا جدا، ومع تنوع وتطور الاحتياجات الإنسانية من السلع والخدمات أصبحت قدرة أي أمة على الدخول إلى الأسواق العالمية سواء كمشتر أو كبائع هي مفصل الاقتصاد الرئيس والفرق بين الفقر والغنى. وبقدر ما يكون لدى الأمة سلع يحتاج إليها العالم ويشتريها من الأسواق العالمية ويدفع في مقابلها سلعا أخرى أو دولارات أو ذهبا، بقدر ما تستطيع هذه الأمة الادعاء أن لديها اقتصادا مستداما. المملكة لديها النفط كسلعة رئيسة تقدمها للأسواق العالمية وهذه السلعة تضمن لنا الاستدامة حتى الآن، لكن في المقابل نحن نشتري كثيرا من السلع الاستهلاكية، وحتى الغذاء، ودول أخرى تقدم لنا اليد العاملة والجميع يأخذ في مقابل ذلك التحويلات النقدية التي تحصلنا عليها من النفط. وإذا كانت القاعدة الاقتصادية تقول إنه كلما كانت قدرات الاقتصاد على إنتاج سلع وخدمات متعددة ومتنوعة للأسواق العالمية، كانت في وضع تنافسي أفضل وأكثر أمانا واستقرارا. وفي عالم أصبحت هذه هي العقيدة الاقتصادية الأساسية فإن حجم المنافسة على مساحة أو ركن في الأسواق العالمية هي مسألة حياة أو موت الاقتصاد، ومن المتوقع أن تصل هذه التحديات مع منتصف هذا القرن إلى حروب اقتصادية طاحنة، وسيبقى في الأسواق من لديه الميزات التنافسية الهائلة التي يصعب تجاوزها من قبل المنافسين. ونحن في المملكة لدينا حتى الآن ميزة النفط لكن التحديات التي تواجه هذه السلعة تتزايد يوما بعد يوم، ولابد لنا من العمل بجد نحو اكتشاف مزايا وسلع أخرى تنافس في الأسواق العالمية بقوة، لهذا السبب جاءت "رؤية 2030"، بهدف رفع نسبة الصادرات غير النفطية من 16 في المائة إلى 50 في المائة وزيادة قيمة الصادرات غير النفطية إلى 330 مليار ريال بحلول عام 2020. وهذا الهدف تطلب إنشاء هيئة تنمية الصادرات السعودية "الصادرات السعودية". سيكون على هيئة تنمية الصادرات جهد كبير جدا خلال السنوات المقبلة، فهي الرافعة الأساسية التي بين أيدينا الآن نحو دخول الأسواق العالمية بسلع جديدة، وإذا كان اقتحام الأسواق العالمية مهمة صعبة فإن أصعب مهام الهيئة ستكون في الداخل، في إقناع المنتجين بأهمية رفع مستوى الجودة ومستويات الإنتاج من أجل فتح نافذة على التصدير، ذلك أن السوق السعودية سوق عملاقة، وهي بذاتها منصة عالمية للسلع وجميع الشركات في العالم تبحث عن فرصة لدخول السوق السعودية، ولهذا فمن الصعب إقناع المنتجين المحليين بزيادة الإنتاج وفتح خطوط جديدة لمجرد اقتحام الأسواق العالمية الأخرى، بينما الأسواق المحلية قادرة على إرضاء المنتجين. مثل هذه المخاطرة يصعب تحملها من قبل المنتجين السعوديين. هنا أتت الهيئة بأربع مبادرات تعنى بتنمية الصادرات، وتحفيز القطاع الخاص، وتوفير وتحسين البيئة التصديرية. وفي اللقاء الذي أجرته "الاقتصادية" مع أمين عام هيئة تنمية الصادرات أشار إلى أن أولى المبادرات تتمثل في غرس ثقافة التصدير وتحسين البيئة بمساعدة المصدرين في الحصول على الخدمات اللوجستية المساندة والكفاءات البشرية المؤهلة في مجال التصدير. وهذا سيتم من خلال مشروع التعريف بمزودي خدمات التصدير، ومشروع التعريف بخدمات الصادرات السعودية، وغيرها. المبادرة تكمن في تطوير قدرات التصدير للمنشآت السعودية والتقييم والتدريب، والاستشارات. وأيضا سيتم تقديم منح ومساعدات مالية لهذا الغرض، كما سيتم تقديم عدد من الورش التدريبية التي سيتم إطلاقها في مختلف مناطق المملكة. وتأتي المبادرة الثالثة في الترويج للمصدرين ومنتجاتهم وإيجاد الفرص التصديرية لهم، ومساعدتهم على تحديد الأسواق المستهدفة، وربط المصدرين بالمشترين، وإيجاد فرص التصدير والسوق، وتعزيز العلامة التجارية للمنتج السعودي. ومن أجل هذه الأهداف تقوم الهيئة سنويا بالمشاركة في عديد من المعارض العالمية من أجل الترويج للمنتجات السعودية وفتح باب التعاون مع المشترين الدوليين، وزيادة الخبرة والمعرفة فيما يخص التصدير. ورغم كل هذه الجهود التي تصب في تخفيف مخاطر التصدير وفتح خطوط إنتاج خاصة بذلك، إلا أن التمويل يظل عقبة رئيسة، ذلك أن تمويل مشاريع جديدة وخطوط إنتاج يتطلب مشاركة من المصارف التي من الصعب أن تقبل بذلك دون أن ترفع من تكلفة التمويل نظير المخاطر الرئيسة التي تواجهها. لهذا فإن أهم مبادرات هيئة تنمية الصادرات على الإطلاق هي إنشاء مصرف الصادرات السعودي، حيث سيكون مصرفا مستقلا، سيقدم حلولا وخدمات تمويل مباشرة وغير مباشرة لدعم تنمية الصادرات السعودية مع التركيز على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وسيسهم بشكل فعال في تحقيق الأهداف الطموحة للصادرات غير النفطية التي حددتها "رؤية 2030".
إنشرها