الماكثون في منازلهم

|
هناك من يبحث عن عمل ولكنه لا يزال ينتظر في منزله منذ شهور. أنا لا أتحدث عن غير المهتمين الذين لا يملكون الجدية الكافية للسعي في الأمر، فهؤلاء لا يدخلون عمليا في تعريف الباحثين عن عمل. المقصد تحديدا كل من يبحث عن عمل وهو محتاج إليه ويبذل ما في وسعه للحصول على مبتغاه. المشكلة أن عددا كبيرا من هؤلاء ما زال ينتظر في منزله منذ شهور وبعضهم تجاوز السنة، وهذه في نظري مسألة تستحق التوقف والنظر بعين الاهتمام. ولكيلا يساء فهم النقاش حول أسباب المكوث في المنازل انتظارا للوظيفة، لا ينكر أحد أن بعض المجالات تعاني فعليا ضعف الفرص جودة ومكانا. النظر في ديناميكية السوق ومشكلاتها مسألة مهمة وفهم ذلك يحسن أسلوب التعاطي مع هذه المشكلة. ولكن، لماذا يمكث هؤلاء في منازلهم؟ وهل هناك حالات حقيقية لمؤهلين لم يجدوا وظيفة يلتحقون بها لمدة سنة أو سنتين؟ هناك عدة تصورات خاطئة، وربما تكون قاتلة نفسيا واجتماعيا وماديا، تجعل صاحب النية الجدية والتأهيل الجيد يمكث في منزله بلا عمل لفترة طويلة نسبيا. أولا، هناك من يبحث عن التطابق التام بين تخصصه وبين المسمى الوظيفي الذي يظن أنه يستحقه، وهذا التطابق ممكن ولكنه ليس متوقعا في العادة. لمثل هؤلاء نقول تصوراتك غير واقعية وتحتاج إلى كثير من الزحزحة والتعديل. ثانيا، هناك من يخطط لفترة انتظار أطول من العادة، أي يتقبل السنة والسنتين انتظارا وبحثا عن الوظيفة الحلم. من ثلاثة إلى ستة أشهر في نظري فترة طبيعية، من ستة أشهر إلى سنة قد تكون مقبولة إذا كان يستغلها في تدريب أو عمل مؤقت أو تعزيز المهارات بالدورات والبرامج. الانتظار لأكثر من سنة يثير كثيرا من علامات الاستفهام، ولمن يصر على ذلك سعيا خلف وظيفة محددة عليه أي أن يقضي فترة الانتظار في القيام بنشاط منتج يمكن الاستفادة منه للتعلم وللاستشهاد على الجدية والهمة. فترة الانتظار الطويلة بالتعمد والإصرار علامة استفهام كبيرة في السيرة الذاتية، ناهيك عن آثارها السلبية في المهارات واللمسات والحالة النفسية كذلك. ثالثا، تنشأ بعض الأفكار المغلوطة نتيجة لحديث المجالس والتواصل الاجتماعي عن الأوضاع الاقتصادية والتغييرات المستمرة، والحقيقة التغيير الذي نراه اليوم قوي ولكنه ليس بالضرورة سلبيا للباحث عن عمل. نعم يشهد عديد من القطاعات حذرا أو حتى تقليصا شديدا في أعمالها إلا أن طرق العمل تتطور كذلك، وهناك عديد من الوظائف الجديدة التي لم تكن موجودة قبل خمس سنوات. وهناك كذلك خروج لعدد غير قليل من شاغلي الوظائف من المقيمين، وهذا كفيل بصنع عديد من الفرص، ربما بشكل استثنائي في بعض المجالات. رابعا، يعتقد بعض الشباب أن العمل في وظيفة لا ترتبط بالتخصص يعد تشويها للسيرة الذاتية. هذا خطأ محض، إذ إنه من الطبيعي والمقبول وجود انحرافات بين طبيعة العمل وبين التخصص الدراسي، بل تعد أحيانا عامل قوة في السيرة الذاتية وتنويعا جيدا للإمكانات. العمل في وظيفة مؤقتة والالتزام بها لفترة جيدة حتى لو كانت بعيدة عن التخصص ينفي بعض الاحتمالات السلبية عند المتقدم للوظيفة مثل الكسل والقدرة على الانضباط، ويشير إلى مهارات أخرى مثل التعامل مع الآخرين، وربما البيع وحل المشكلات والعمل الجماعي، وكلها مهارات تواصلية مهمة تصنع الفارق بين المتقدم المنتج النشط وبين المتقدمين الماكثين في منازلهم. حتى العمل الحر على الإنترنت كـ freelancer أو مسهم في فريق عمل تطوعي، أو العمل بلا مقابل في وظيفة مكتبية يصنع فارقا كبيرا. خامس التصورات الخاطئة، الأمل في ظهور وظائف غير موجودة. لا تسقط الوظائف من السماء، وقطعا لن تظهر الفرص في أماكن خالية من المشاريع والحركة الاقتصادية، ولن ترجع الوظائف الحكومية إلى سابق عهدها. بل إن الجهات الحكومية اليوم أصبحت تبحث عن المنتجين المؤثرين وتتخلص من الكسالى المزعجين الذين يبحثون عن المنافع قبل الأداء. الإصرار على إيجاد وظيفة في تخصص نادر دون الخروج من مسقط الرأس أمر شبه مستحيل والأمل في وظيفة حكومية خفيفة لطيفة مستقرة أصبح ضربا من خيال. سادسا، الاعتقاد الخاطئ أن رأي الصديق الذي لم يجد وظيفة جيدة بعد، أو القريب الذي يجيد الحديث لا العمل سيحسن من فرصته أثناء البحث. وهذه الأحاديث في العادة من مصادر التشويش وتعزيز أسباب الفشل. الابتعاد عن رأي المختص وترك الاستنارة بآراء الأكفاء يولد أفكارا غريبة ويصنع قرارات خاطئة. الوصول إلى مرشد مهني أو شخص مؤهل، على الرغم من قلتهم، لتوجيه الباحثين عن عمل أسهل من قبل بكثير. سابعا وأخيرا، لا تزال فكرة قوة الواسطة تعشش في عقول البعض، وهذا التصور خطير؛ إذ إنه يعد صاحبه للتقاعس واليأس، ويدعوه لسلوك مسالك غير أخلاقية، ويجعله يخلط بين صنع العلاقات الإيجابية القوية وبين الواسطة السلبية المنكرة. الواسطة اليوم ظاهرة قديمة بدأت تتلاشى شيئا فشيئا، وكل يوم نرى مزيدا من صفوة المجتهدين الذين لم يعرفوا الواسطة في حياتهم يحققون نجاحات مبهرة على كل الأصعدة.
إنشرها