أخبار اقتصادية- عالمية

زيارة ولي العهد لبريطانيا.. الملف الاقتصادي يهيمن على المباحثات واهتمام إعلامي غير مسبوق

الأمير محمد بن سلمان لدى وصوله إلى العاصمة البريطانية لندن البارحة الأولى."واس"

 

حفلت زيارة ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، إلى لندن، باهتمام واحتفاء كبيرين من وسائل الإعلام  البريطانية، ولم تخل أي صحيفة بريطانية من مقال وتحليل وصور وتفاصيل إخبارية عن الزيارة وأهميتها، وما تتضمنه من فرص ضخمة للبلدين، لإحداث نقلة نوعية في علاقتهما الثنائية.
وخصص البرنامج الصباحي لراديو هيئة الإذاعة البريطانية BBC، الذي يستمع إليه ملايين البريطانيين يوميا، حلقة كاملة لتعريف المواطن بأهمية زيارة ولي العهد لبريطانيا، وطبيعة القضايا التي ستناقش خلال لقائه مع رئيسة الوزراء تريزا ماي وأقطاب الحكومة البريطانية، على الرغم من أن طبيعة البرنامج تنصب دائما على مناقشة القضايا الداخلية في المملكة المتحدة.
واستضاف البرنامج فرانك غاردنر، المراسل الأمني لـ"بي بي سي"، الذي عمل سابقا مراسلا في المملكة، وتعرض لهجوم إرهابي مع فريق عمله في الرياض عام 2004، ما أسفر عن إصابته بشلل، إذ أشاد بجهود الأمير محمد بن سلمان لتحديث المملكة، واعتبارها بداية لإحداث نقلة نوعية في مستقبل السعودية.
وأكد "غاردنر" أن الحكومة البريطانية تدرك جيدا تمتع إصلاحات الأمير محمد بن سلمان بدعم شعبي غير مسبوق، خاصة بين الفئات العمرية الشابة، مشيرا إلى أن أي قضايا قد تتباين فيها آراء الطرفين البريطاني والسعودي، هي قضايا هامشية لن تؤثر على المسار التاريخي والمستقبلي في علاقات التحالف التي تربط البلدين.
وينظر عديد من الخبراء والاستراتيجيين في بريطانيا إلى تلك الزيارة نقطة تحول مفصلي في طبيعة العلاقة بين البلدين، فبقدر ما تمثله من امتداد للعلاقات التاريخية، وترسيخا لقوة ومتانة التحالف السعودي البريطاني، وتراكما يضاف لعديد من جوانب التعاون الثنائي في المجالات كافة بينهما، إلا أنها تعد، وبصورة أكثر أهمية، مقدمة لبناء جديد من التعاون على أسس المتغيرات الجديدة في البلدين، والتي من الواضح أنها تغيرات تنبئ  بتأسيس حقبة جديدة للمملكة.
وفي الوقت ذاته، فإن التغيرات التي تمر بها بريطانيا مع قرب خروجها من الاتحاد الأوروبي تعني حاجتها الماسة إلى ترسيخ علاقة التحالف مع الرياض، لتعزيز مكانة لندن الدولية باعتبارها فاعلا رئيسيا في القضايا العالمية، وفي مقدمتها قضايا الشرق الأوسط، إلى جانب حاجتها لتدعيم علاقتها الاقتصادية، تجاريا كانت أم استثماريا مع السعودية، لدرء أي هزات اقتصادية قد تتعرض لها نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي.
من جانبها، اعتبرت الدكتورة كيتي جيبسون، أستاذ العلاقات الدولية، أن الزيارة الراهنة لولي العهد للندن، تحسم وبشكل لا جدال فيه الدعم البريطاني المطلق لـ «رؤية 2030»، وهو ما يعني أن المملكة المتحدة اتخذت قرارا استراتيجيا بدعم الرياض، وتبني موقفها، ليس فقط في المجال الاقتصادي أو حتى في الإصلاحات الاجتماعية التي تمر بها، وإنما في المفاهيم الاســــــــتراتيجية للسياسة السعودية، بما يعنيه ذلك من دعم لرؤية الرياض ومواقفها من طهران.
وأضافت جيبسون لـ"الاقتصادية"، "الجانب الاقتصادي للزيارة يحتل أهمية كبيرة، خاصة مع الأنباء الخاصة بأن الزيارة ستتضمن توقيع عديد من الاتفاقيات، ومع أهمية الجانب الاقتصادي، إلا أن العلاقة لا تقف عند حدود التعاون الاقتصادي، وإنما تمتد إلى التوافق البريطاني مع الاستراتيجية السعودية، وهذا يتضمن في الجزء الأكبر منه تفهما رسميا أن الحوثيين في اليمن هم المسؤولون عمليا عن تفجر الوضع الراهن هناك، من خلال قيامهم بدور المخلب المنفذ للسياسات الإيرانية".
وأكدت، أن ذلك ينقل الجميع إلى ملف آخر، وهو أن دعم بريطانيا الاقتصادي للسعودية، عبر نقل التكنولوجيا والتعاون في مجالات متعددة للمعرفة والابتكار، يرمي في الأساس إلى ترسيخ الدور السعودي في الشرق الأوسط، كقائد للعالمين العربي والإسلامي، وهذا يعني بشكل واضح وصريح دعم موقف الرياض في مواجهة المساعي الإيرانية للتمدد الإقليمي.
وأضافت جيبسون، "ومن ثم فالتعاون الاقتصادي بين الرياض ولندن يهدف ليس فقط إلى تحقيق الربحية المالية، على الرغم من أهميتها، وإنما تعاون يرمي إلى تعزيز تنمية القدرات الاقتصادية للمملكة، وخاصة في مجال التكنولوجيا الحديثة".
أما الخبير الاستثماري فوستر فوكس، فاعتبر أن زيارة ولي العهد تحقق المواءمة الاقتصادية بين مجتمع شاب ساع إلى امتلاك ناصية التفوق التكنولوجي- وهو يشير هنا إلى السعودية- ودولة متقدمة تمتلك خبرات معرفية ضخمة ومتنوعة، لكنها تواجه تحديات اقتصادية تتطلب منها إعادة ترتيب أوراقها الاقتصادية لتفادي المصاعب التي يمكن أن تواجهها في الطريق.
وقال، "الفكرة الجوهرية في «رؤية 2030» تقوم على تحويل المملكة من اقتصاد ريعي يعتمد على عائدات النفط، إلى اقتصاد حديث يعتمد على الاستثمار في التكنولوجا. بطبيعة الحال هذا التوجه يعكس فهما للتغيرات الجذرية التي يمر بها الاقتصاد العالمي، إذ تتغير أسواق الطاقة التقليدية لصالح الطاقة البديلة، ومن جانب آخر تتصاعد أهمية امتلاك الدولة لقدرات تكنولوجية خاصة ومميزة. إذا أردت أن يكون لك موقعا مميزا في اقتصادات القرن 21، تلك الرؤية تلائم تماما الوضعية البريطانية الراهنة".
وأكد، "الزيارة تدعم خروج العلاقات الاقتصادية الثنائية من بوتقة النفط وعوائده، وهي بوتقة، على الرغم من أهميتها، إلا أنها محدودة استثماريا مقارنة بالآفاق الاستثمارية التي يمنحها اقتصادا متنوعا، خاصة في مجالات التكنولوجيا والابتكار، وبريطانيا تماما كالسعودية في حاجة إلى تنوع الاقتصاد السعودي، لأن ذلك يفتح لها أبوابا لمجالات استثمارية أكبر وأكثر كثافة في المملكة، ولندن في حاجة ماسة إلى ذلك بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وبحثها عن أسواق جديدة قادرة على استيعاب الزخم المتواجد في قطاع التكنولوجي البريطاني".
وبين وجهة النظر التي تطرحها الدكتورة كيتي جيبسون، حول الطابع الاستراتيجي للزيارة، ووجهة نظر الخبير الاستثماري فوستر فوكس، بأن التنوع الاقتصادي للمملكة سيمثل حجر الأساس في تعزيز التعاون المستقبلي بين الرياض ولندن، اعتبر الدكتور هاردي هارس، أستاذ التجارة الدولية، أن الأفق الاقتصادي المتحرر في المملكة، يسمح بتحول الرياض وجدة إلى مركزين رئيسين للتجارة والخدمات المالية العالمية مستقبلا، وذلك من ناحية الفرصة التي ترغب بريطانيا في اقتناصها، باستباق الآخرين وتعزيز علاقة التعاون والشراكة الاستراتيجية.
وأضاف، "التحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية، سيسمح تدريجيا بنقل التكنولوجيا المتقدمة ودمجها في الاقتصاد السعودي، مما يعني تحول السعودية على الأمد الطويل إلى مركز صناعي تكنولوجي متقدم، هذا المركز الصناعي التكنولوجي سيكون في أمس الحاجة إلى مساندة من منظومة متطورة من الخدمات المالية، ومن ثم يمكننا القول إن المملكة مؤهلة لامتلاك مركزين، أحدهما صناعي تكنولوجي، والآخر مالي، ولن تتوقف قدرتهما على تلبية احتياجات الاقتصاد المحلي وحسب. وقال، "ستكون المملكة جسرا لإمداد الإقليم والبلدان المجاورة باحتياجاتها من المنتجات التكنولوجية المتطورة والخدمات المالية، وهذا يتطلب من بريطانيا تكثيف استثماراتها في الاقتصاد السعودي، سواء في المجال التكنولوجي أم في مجال الخدمات المصرفية والمالية من الآن، تمهيدا للاستفادة المستقبلية عبر وضع أسس لتعاون خاص ومميز بين لندن والرياض".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية