كيف يمارس رب الأسرة وظيفة التخطيط؟

|

تم تقسيم وظائف المدير ـــ وفقا لمبادئ الأعمال ـــ إلى أربعة أقسام رئيسة وهي: التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة، وهناك وظيفة أخرى ظهرت بعد دراسة الشركات الرائدة تسمي وظيفة "إعداد القادة" ولو أنها لم تأخذ حقها من الاهتمام إلا أنها وظيفة مهمة تعادل الوظائف الأربع الأخرى. وطالما أننا ناقشنا من قبل إمكانية تطبيق المفاهيم الإدارية في التربية فسنبين هنا كيف يقوم رب الأسرة بتطبيق وظائف المدير عند إدارته لأسرته وتعامله مع أبنائه وسنبدأ بأول وظيفة وهي التخطيط.
التخطيط يعني ببساطة "الاستعداد والخطوات المستقبلية لتحقيق الأهداف". ويعد التخطيط أهم وظيفة يمارسها الإنسان بل هي الوظيفة الجوهرية التي تميزه عن غيره من بقية الكائنات الحية لما ـــ حباه الله ـــ من عقل يفكر به فيستشف المستقبل ويقيس المخاطر ويحدد الفرص. فمن يستخدم عقله بحكمة يفلح في دنياه وآخرته، ومن لم يدرك نعمة العقل ومتعة التفكير وترك أموره يسيرها له غيره فلا فرق بينه وبين بقية الكائنات الحية التي تعيش في عالمنا هذا. وطالما للإنسان عقل فهناك فكر وخطط، ولذا نرى أن التخطيط يلعب دورا حيويا في كل مناهج حياتنا كأفراد وكمجموعات. فنحن كبشر نمارس التفكير والتخطيط كل لحظة تقريبا فنحن في حالة تخطيطية تلقائية منذ استيقاظنا من النوم حتى نعود إلى مضاجعنا ونلقي بأجسادنا المثقلة عليها.
كما أن التخطيط وظيفة أساسية للمنظمات فكل منظمة تبذل وقتا كبيرا في التخطيط من أجل أن تصبح في مأمن من تقلبات السوق والمنافسة والأحداث غير المحسوبة التي قد تظهر لها. فالتخطيط يعتبر من الوظائف الأساسية للمديرين في المنظمات، بل هي الوظيفة الرئيسة الأولى التي من خلالها يتم وضع الأهداف وصنع القرارات والتفكير في المستقبل. وعندما يغيب التخطيط تتم الأعمال بطريقة عشوائية وتصبح القرارات مجرد تصرفات ارتجالية ينتج عنها تبديد للجهود وضياع للوقت.
والسؤال الذي يظهر لنا هو: كيف يقوم رب الأسرة بممارسة وظيفة التخطيط التي يمارسها مديرو الشركات؟ وهنا سنبين كيف يمارس رب الأسرة وظيفة التخطيط من أجل أن يقود أسرته إلى ما تقر به عينه ويحقق لأفراد أسرته ما يصبون إليه؟ فنجاح أي فرد من أفراد الأسرة لا يحسب فقط له وحده، بل إن النصيب الأوفر يعود للأب والأم وللعائلة كمنظومة. إذا أراد رب الأسرة أن يمارس التخطيط، عليه أن يعلم أن المديرين التنفيذيين للشركات يمارسون عدة أمور تخطيطية منها الخطط الزمانية وهي الخطط المترابطة وكل واحدة مكملة للأخرى أي أن كل خطة تتعلق بسابقتها وهي: خطط طويلة الأجل، ومتوسطة وأخرى قصيرة.
فالخطط طويلة الأجل مدتها ما بين ثلاث سنوات إلى عشر سنوات. ونحن نعرف طريقة تطبيقها في المنظمات ولكن كيف تتم ممارستها في إدارة الأسر والعائلات؟ علينا أن ندرك جميعا كآباء ومربين أن هذا النوع من الخطط يعطي رب الأسرة صورة واضحة عن المستقبل الذي تريد العائلة الوصول إليه بمعنى ماذا يريد رب الأسرة من عائلة كمجموعة وكأفراد أن يكونوا بعد عشر سنوات؟ ولنفترض أنه يريد أن يحصل نصف أبنائه على الدكتوراه والنصف الآخر على خبرة في مجال الأعمال. فهذه أهداف طويلة المدى لتحقيقها يحتاج إلى أهداف متوسطة وأخرى صغيرة.
ولكي يصل الأب إلى هذه الأهداف البعيدة يقوم بتقسيمها إلى أهداف أخرى فرعية يطلق عليها خططا متوسطة الأجل مدتها بين سنة إلى ثلاث سنوات. فلتحقيق ما يصبو إليه رب الأسرة (في التخطيط طويل الأجل)، يحتاج على سبيل المثال إلى توفير مصادر أموال أخرى غير الراتب ويحتاج أيضا إلى رفع المستوى الدراسي لبعض الأبناء والبنات (خطط متوسطة). فالسبب لتوفير مصادر دخل إضافية ورفع المعدل الدراسي للأبناء (أهداف متوسطة المدى) من أجل تحقيق الأهداف طويلة المدى وهي حصول نصف أبنائه على درجة الدكتوراه وحصول النصف الآخر على مؤهلات في مجال الأعمال. (أهداف طويلة الأجل).
ولتحقيق دخل إضافي للأسرة ورفع معدلات بعض الأبناء، يأتي دور النوع الثالث من الخطط الزمنية وهي الخطط قصيرة الأجل التي تتعلق بالمستقبل المنظور وهذه تكون مدتها قصيرة لا تتجاوز سنة واحدة. وفي التخطيط قصير الأجل يتحدد الجدول الزمني اليومي والأسبوعي والشهري للعمل وكيفية أدائه أي أن الخطط قصيرة الأجل عبارة عن مهام تشغيلية يقوم بها رب الأسرة أو أي فرد توكل إليه مهمة خلال مدة زمنية قصيرة.
وفي الواقع نجد أن كثيرا من الآباء والأمهات يركزون وينهمكون في الخطط قصيرة الأجل في خضم الأعمال والمشكلات التي يواجهونها يوميا ويغفلون عن النوعين الآخرين (الطويلة والقصيرة) ووضع كهذا لا يطلق عليه تخطيط بل هو عمل تشغيلي يومي فإذا استمر فيه الأب أو الأم فسيرى نفسه بعد حين من الوقت أنه لم يحقق أي هدف لا لنفسه ولا لعائلته لأنه يركز كل مجهوده على إنجاز أعمال تشغيلية يومية قصير الأجل. يجب أن يعلم الأب أن العمل التشغيلي ما هو سوى عمل روتيني هدفه الجوهري تحقيق أهداف طويلة الأجل فإذا لم يوجه هذه المهام التشغيلية لتحقيق الأهداف المتوسطة والطويلة فسيظل يعمل كالآلات دون هدف يحققه أو رسالة يحتفظ بها.

إنشرها