ماذا بعد سرعة 140 كيلو مترا؟

|

أؤمن بأن أي قرار يتخذ لا بد من دراسته بشكل جيد، ومعرفة إيجابياته، وسلبياته، سواء كان هذا القرار جديدا، أو امتدادا لقرارات سابقة، وعملية تقييم المرحلة السابقة ضرورية، ومهمة، كأهمية القرار ذاته، لأن المرحلة السابقة فيها كثير من المعلومات التي تسهم في اتخاذ القرار المناسب، بناء على ما توافر من بيانات، وحقائق لها قيمتها في صناعة القرار بما يخدم المصلحة العامة.
خلال الأيام الماضية اتخذ المرور قرارا بزيادة السرعة على الخطوط السريعة خارج المدن لتكون 140 كيلومترا في الساعة، بدلا من 120 كيلومترا في الساعة، وما من شك أن في صناعة هذا القرار ومناقشته يفترض أن تؤخذ في الاعتبار عدة أمور، منها الاقتصاد الوطني العام، واقتصاد الفرد، والصحة، والتحكم في سلوك القيادة، الذي من أجله وضع نظام "ساهر"، مع ما قيل بشأنه من قبول أو رفض، إلا أنه أسهم بشكل كبير في تعديل، وضبط سلوك كثير من السائقين، وحد من السرعة الجنونية التي يمارسها البعض، ما يعرض حياة الناس، وممتلكاتهم لأضرار جسيمة.
في حديث مع أحد الأطباء العاملين في أكثر من مستشفى حكومي ذكر لي أن "ساهر" أسهم بشكل كبير في الحد من عدد الحوادث، كما أسهم في التقليل من الآثار المترتبة على الحوادث، فكما ذكر أن الحوادث قبل "ساهر"، ونتيجة السرعة الفائقة تتسبب في تمزقات مريعة في الجسم، ما يعرض من كانوا في السيارة إلى الوفاة، أو الإعاقات المستديمة، كما تزيد من صعوبة العلاج للبعض، وإطالة المدة، مع ما يترتب على ذلك من تكلفة مالية ترفع من فاتورة العلاج التي تدفعها الحكومة، أو الفرد، إذا كان العلاج على حسابه الشخصي، إضافة إلى الأضرار الكبيرة في السيارة، وهذه مجتمعة تشكل خسارة كبيرة على الاقتصاد الوطني.
عودا على قرار تغيير السرعة المسموح بها إلى 140 كيلو مترا في الساعة، فزيادة 20 كيلو مترا لا تعتبر قليلة، إذ تشكل ما نسبته 17 في المائة، وإذا ما أضيفت نسبة 10 في المائة هامش الزيادة‏ المسموح بها تجاوز السرعة الجديدة ستكون السرعة القصوى في هذه الحالة 154 كيلو مترا في الساعة، ما يعني أن نسبة الزيادة ستكون 28 في المائة ما يعيدنا إلى الوضع السابق الذي تسبب في كثير من الكوارث لعديد من الأسر، وربما أكثر من الوضع السابق، ذلك أن نسبة الخطر تزيد بزيادة السرعة.
نظام السرعة الجديد سيتسبب في زيادة استهلاك الطاقة محليا، لأنه بزيادة السرعة يزيد استهلاك السيارة للوقود، وهذا في ظني لا يخدم الاقتصاد العام، حيث يفترض أن يتعود الناس على التوفير، وحسن التدبير للمحافظة على موارد البلد، خاصة إذا علمنا أن السوق المحلية تستهلك خمسة ملايين برميل يوميا، حسب تصريح وزير الطاقة، كما أن الأثر يمتد لاقتصاد الأفراد، ما يؤثر في ميزانياتهم. صحيح أن زياد استهلاك الوقود تزيد من الدخل الذي يزيد من الميزانية، لكن لا أعتقد أن هذا يمثل هدفا نسعى إليه، أو يرد في حسبان المسؤولين.
زيادة السرعة سيترتب عليها حتما زيادة الحوادث وشدتها، وعلى المدى البعيد سيكون لدينا عدد كبير من الوفيات والإعاقات الشديدة التي سيحرم المجتمع من الاستفادة من جهود ذويها في الإسهام في تنمية المجتمع، كما أن الرعاية الصحية والعائلية، والاجتماعية لضحايا الحوادث من إعاقات جزئية، أو كلية كالشلل الرباعي، على سبيل المثال لا الحصر، تشكل مصدر إنفاق مرتفع يمكن توظيفه في مجالات أخرى، كما تشكل عبئا ثقيلا لا تتحمله بعض الأسر، مع نقص مؤسسات الرعاية الحكومية.
إن كثرة الحوادث تترتب عليها جهود ذات تكلفة عالية، وربما أنها غير منظورة، ألا وهي الخدمات الإدارية من قبل الجهات ذات العلاقة، كالمرور، والمستشفيات، وشركات التأمين، ما يرفع فاتورة قرار زيادة السرعة، ليس في شقها البشري فقط، وهذا المهم، بل في شقها الاقتصادي.
سواء اتخذ القرار بناء على دراسة وافية ومعمقة للمرحلة السابقة، أو دون دراسة، رغم أني أرجح إجراء الدراسة مع أني لم أطلع على ذلك ولم أقرأ في حيثيات القرار ما يشير لأي نتائج دراسة، إلا أنه من المصلحة رصد الآثار المترتبة على القرار الجديد في جميع الجوانب حتى يكون لدينا قاعدة بيانات كمية وكيفية تبين بالصور، والرسومات، والشروحات الحوادث بأسبابها، والآثار المترتبة عليها.
إن توافر قاعدة بيانات متكاملة بشأن حوادث الطرق يمثل كنزا بحثيا لجميع الباحثين من نفسيين، وتربويين، واجتماعيين ومهندسي طرق، وميكانيكيين، لإجراء بحوث منفردة، أو مشتركة، يتم بناء على نتائجها رسم أنظمة السرعة التي تحفظ أبناء الوطن، وثرواته.

إنشرها