من يقود عولمة التعليم العالي الجديدة .. ولماذا؟

|

عندما تفعل مؤسسات التعليم العالي نشاطاتها ليكون بين خريجيها طلاب من مختلف أنحاء العالم، فنحن أمام حالة عولمة للتعليم العالي. فهناك جامعات عالمية كثيرة تحرص، في نظام القبول فيها، على وجود طلاب من مختلف أنحاء العالم؛ كما أن هناك جامعات تسعى إلى فتح فروع خارجية لها في مختلف الدول، ليكون بين خريجيها طلاب من تلك الدول، حتى إن لم يأتوا إلى بلدها الأم. وتنتمي معظم مثل هذه الجامعات إلى الدول المتقدمة، وفي ذلك عامل تميز وجاذبية لطلاب الدول الأخرى. وللغة الإنجليزية بريق خاص في هذا المجال تستفيد منه الدول المتقدمة الناطقة بهذه اللغة، على رأسها الولايات المتحدة، وبريطانيا، إضافة إلى كندا، وأستراليا، ونيوزيلندا.
تقدم جامعات في الدول المتقدمة الأخرى، غير الناطقة بالإنجليزية مثل ألمانيا، بعض برامجها بهذه اللغة حرصا على استقطاب الطلاب الأجانب. كما أن بينها من يسعى إلى وضع برامج تعليمية مشتركة مع جامعات في دول العالم الأخرى، حيث يمضي الطالب خلالها سنة أو أكثر في جامعة الدولة المتقدمة يتلقى خلالها بعض المقررات، ويكتسب لغة تلك الدولة، ويتعرف على إمكاناتها وثقافتها. ومن أمثلة ذلك ما ورد في محاضرة مشتركة بين ممثل لجامعة ماليزية وممثل لجامعة ألمانية، جرت في "مؤتمر التعليم العالي QS" الذي عقد في "كوالالمبور" في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2009. فقد تحدث الاثنان عن برنامج مشترك في المجال الهندسي بين الجامعتين يقضي بموجبه الطلاب الماليزيون "18 شهرا" في الجامعة الألمانية كجزء من دراستهم، ويتم ذلك على نفقة الحكومة الألمانية، من أجل تفعيل العولمة في الجامعات الألمانية.
وفي السنوات الأخيرة، ومع انطلاق عجلة "التحول الرقمي" في شتى المجالات، نجد جامعات عديدة حول العالم تسعى إلى ريادة هذا التحول عبر عرض محاضرات وتقديم مقررات وبرامج تعليمية وتدريبية في موضوعات مختلفة على الإنترنت. ونجد على رأس هذه الجامعات، جامعات أمريكية، تتصدر مواقع عالمية متقدمة، مثل جامعة هارفاردHarvard University، ومعهد ماساشوستس التقني MIT، وجامعة ستانفوردStanford University، وغيرها. وفي ذلك معالم مهمة لعولمة جديدة للتعليم العالي تجعلها أوسع انتشارا وأعمق تأثيرا في المستقبل.
والسؤال الذي ينبغي طرحه، على أساس ما سبق، هو لماذا تحرص الجامعات في الدول المتقدمة على عولمة التعليم الذي تقدمه وتنشر أثره من خلال خريجيها خارج حدود الدول التي تنتمي إليها؛ ثم على ماذا تطمح من عولمته الجديدة عبر الإنترنت، خصوصا أن ذلك قد يتعارض مع قدوم طلاب العالم إليها، أو إلى فروعها الخارجية في الدول المختلفة، طبعا إن وجدت. هذا الأمر يستحق التفكير، ويستحق رصد بعض ما يقال بشأنه. ولعله يمكن النظر إلى هذا الأمر بمنظارين مترابطين: منظار الاقتصاد، ومنظار الثقافة.
في إطار منظار الاقتصاد، يقول روبرت زوليك رئيس البنك الدولي السابق Robert Zoellick في محاضرة ألقاها في مؤتمر "عولمة التعليم العالي" الذي عقد عام 2014 في ولاية تكساس الأمريكية، "إن عدد الطلاب الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة للدراسة فيها عام 2013 هو 818 ألف طالب. وينفق هؤلاء ما لا يقل عن 24 مليار دولار سنويا، هذا إذا كان معدل إنفاق الطالب الواحد نحو 30 ألف دولار فقط، بما يشمل رسوم التعليم التي ترتفع باستمرار. ثم يضيف "زوليك" قولا آخر، في موضوع مشابه، هو أن الدخل الناتج عن تصدير خدمات التعليم العالي في أستراليا، بمعنى التكاليف التي ينفقها الطلاب الأجانب، يضع قطاع هذا التعليم في المركز الاقتصادي الأول بين قطاعات الخدمات المختلفة في أستراليا، وفي المركز الثالث، بين مجمل القطاعات الاقتصادية المنتجة. ولا شك أن العامل الثقافي يرافق دائما العامل الاقتصادي للتعليم العالي، لأن التواصل الإنساني في مجال المعرفة لا يكون اقتصاديا فقط، بل ثقافيا أيضا.
ويعتبر موضوع دعم الحكومة الألمانية البرامج التعليمية المشتركة بين جامعاتها وجامعات الدول الأخرى سابقة الذكر، استثمارا اقتصاديا وثقافيا أيضا، لأن خريجي هذه البرامج يمكن أن يكونوا سفراء تسويق للمنتجات الألمانية خلال حياتهم المهنية في بلدانهم. يضاف إلى ذلك جانب الثقافة المرتبط بتعلم اللغة الألمانية والتواصل من خلالها.
وقد يبدو موضوع عولمة التعليم العالي عبر التحول الرقمي عائقا أمام العولمة التقليدية، لأنه يمكن أن يحد من قدوم الطلاب إلى جامعات البلدان المتقدمة، لكن للأمر جانبا آخر يجمع كلا من الجانبين الاقتصادي والثقافي، وربما يرتبط بمبدأ "اقتصاد الحجم" Economy of Scale. ولتفسير ذلك، لعله يمكن العودة إلى المقدمة التي طرحها مؤتمر عولمة التعليم العالي سابق الذكر الذي عقد في ولاية تكساس الأمريكية. حديث هذه المقدمة ينطلق من الأمجاد الأمريكية وقيادتها للعالم في القرن الـ 20، وتميز التعليم العالي فيها، وتوجه طلاب العالم إليها من أجل هذا التعليم؛ ثم ينتقل الحديث إلى القرن الـ 21 والدور الأمريكي في تقديم التعليم العالي على نطاق أوسع يشمل "مئات الملايين"، وربما أكثر، حول العالم عبر التحول الرقمي وانتشار التعليم الإلكتروني. صحيح أن تكاليف التعليم عبر الإنترنت منخفضة جدا مقارنة بتكاليف التعليم التقليدي، إلا أن عدد الطلاب على الإنترنت أكبر بمرات عديدة، وبالتالي فإن رسوم الاختبارات والشهادات تمثل مصدرا ماليا يتفوق على سابقه، ناهيك عن الأثر الثقافي الكبير الذي يصل إلى العالم بأسره دون حدود.
إذا كانت المعرفة قوة فإن هذه القوة لا تظهر إلا بالاستخدام، ولا تتمتع بالكفاءة إلا بجودة هذا الاستخدام، ولا تصل إلى أرض الواقع وتتمتع بالتأثير المنشود، إلا بالتكيف مع المتغيرات والاستفادة من المعطيات وما يحيط بها من بيئة. الجامعات المتميزة في العالم عموما، وفي أمريكا خصوصا تملك المعرفة، وقوتها، وكفاءة عرضها واستخدامها، والأهم من ذلك فهمها أيضا للمتغيرات، وبالذات متغيرات التحول الرقمي، وطموحات التعلم لدى الشباب في مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى تخطيطها للمستقبل على أساس كل ذلك. نحن أيضا علينا فهم الواقع، واستيعاب الحقائق، والتوجه نحو المستقبل، بمنطق استباقي، وعقلية إيجابية، تتفاعل مع العالم، وتتطلع إلى دور يسعى إلى التميز والعطاء، ولا يكتفي بالتلقي فقط.

إنشرها