ثقافة وفنون

الدراما التركية .. فقاعة آن لها أن تنفجر

قرار شجاع ذاك الذي اتخذته قنوات MBC إزاء المسلسلات التركية حينما أسقطتها من روزنامة قنواتها، في قرار سيرفع من جودة المحتوى العربي، ويحفز شركات الإنتاج نحو دائرة المنافسة، بإنتاج محتوى درامي عربي وخليجي احترافي.
الدراما التركية قبل القرار الأخير، استطاعت أن تختطف مكانة الدراما العربية، عبر أساليب تسويقية ذكية، وأخرى رخيصة تجاوزت المسموح به، وأكسبتها مئات الملايين من الدولارات.

انتعاش صناعة الدراما
قرار إيقاف عرض المسلسلات التركية جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم مجموعة "إم بي سي" مازن حايك، الذي كشف في بيان رسمي أن الأعمال الدرامية التركية كليا خارج القنوات المنتمية إليها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك اعتبارا من مساء الأول من مارس الحالي وحتى إشعار آخر.
اللافت أن الدراما التركية، التي دلفت بوابة الفضائيات العربية عن طريق حركة الدبلجة، وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن خسرت ملايين المشاهدين العرب، لكن حركة الدبلجة بدورها لم تتأثر كثيرا، فالشركات الفنية المتخصصة في هذا المجال وجدت ضالتها في الأفلام والمسلسلات الكورية والهندية والمكسيكية، وبدأت بوصلتها تتحرك إلى الشرق الآسيوي وأمريكا اللاتينية.
أما شركات الإنتاج العربية، فتعيش الآن انتعاشا واستعدادات على قدم وساق لأخذ مقعد الدراما التركية، بعد أن نالت نصيبا كبيرا من كعكة المشاهدة لسنوات، وتحاول استعادة مكانتها بعد أن حول المتلقي وجهته إلى تركيا للسنوات العشر الماضية.
يأتي ذلك في وقت أثبتت فيه الدراما العربية جدارتها خلال الأسابيع القليلة الماضية، ولقيت صدى متميزا وتفاعلا على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال أعمال متنوعة بدا واضحا عليها جودة الفكرة والسيناريو، واستخدام تقنيات تصويرية متقدمة، وممثلين عاشوا الدور ونجحوا في نقل الفكرة بوضوح، ومن هذه الأعمال التي عرضت أخيرا "حبة كراميل" اللبناني، و"كلام أصفر" الكويتي، و"أنا شهيرة.. أنا الخائن" و"سابع جار" من مصر، ومسلسل (CUT) السعودي الذي يجسد حياة شبان سعوديين يدرسون صناعة الأفلام في هوليوود في قالب كوميدي.

أسلوب الإغراق
وجدت الدراما التركية طريقها إلى المشاهد العربي قبل 10 سنوات، بعد بث مسلسلي "سنوات الضياع" (يحيى ولميس) ومسلسل "نور ومهند"، اللذين لقيا قبولا وانتشارا منقطع النظير، ونجحا في إقناع المشاهد العربي بجودة ومحتوى الدراما التركية، لتفتح الباب لمسلسلات أخرى مثل "حريم السلطان" و"بنات الشمس" و"العشق الممنوع" و"فاطمة" وغيرها.
لكن منتجون كشفوا أن رواج الدراما التركية في الفضائيات العربية يقف وراؤه تقنيات تسويقية، مثل أسلوب الإغراق والتسويق الإعلامي، إضافة إلى إتباع نهج محدد في الحبكة، وإثارة الغرائز والابتذال والاستعراض الجسدي، واختيار الطابع الرومانسي الذي يخاطب عاطفة المتلقي، والتصوير في أماكن سياحية خلابة، والدبلجة بلهجات محببة مثل اللهجة السورية، ومد المسلسل إلى عشرات الحلقات، فيتعلق المشاهد بالمسلسل.

عوائد ضخمة
بحسب متحدث مجموعة ام.بي.سي، فإن الحلقة الدرامية التركية الواحدة تكلف نحو 250 ألف دولار فأكثر، في حين تتراوح تكلفة إنتاج حلقة المسلسل العربي بين 40 ألفا إلى 100 ألف دولار.
وتكشف الأرقام بدورها أن الدراما التركية استطاعت أن تقفز عوائدها بفضل المشاهد العربي، والآن تصدر مسلسلاتها إلى 90 دولة، لتحتل المرتبة الثانية كأكثر بلد تصديرا لمسلسلاته للخارج بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
وتأكيدا لذلك، كشف "إلهان صويلو" عضو مجلس إدارة غرفة تجارة مدينة إسطنبول في معرض "ميبكوم" المخصص للإنتاج السمعي والمرئي الدولي بمدينة كان الفرنسية، المقام أخيرا، أن الدراما التركية تعتزم رفع حصتها من السوق العالمية، عبر زيادة إيراداتها المقدرة بنحو 350 مليون دولار سنويا، لتتجاوز حاجز الملياري دولار بحلول عام 2023م، موضحا أن الدول العربية تتربع على قمة مستورديها.
أما بيانات التنسقية الدبلوماسية العامة لرئاسة الوزراء التركية، فكشفت أن تركيا تنتج أكثر من 100 عمل درامي سنويا، تصدر منها قرابة 15 عملا إلى دول الشرق الأوسط والبلقان وأمريكا اللاتينية وغيرها، فيما يصل عدد مشاهدي الدراما التركية في الخارج نحو 400 مليون مشاهد.

بث الأفكار الغريبة
الدراما التركية، أو "الدراما المستوردة" كما يطلق عليها البعض، كانت تمثل للكثيرين من المنتجين والممثلين العرب، وحتى الأكاديميين، بوابة لبث الأفكار الغريبة في المجتمعات، خصوصا تلك البعيدة عن العادات والتقاليد، وتحاول غرسها في المتلقين عن طريق ما سموه "القوى الناعمة".
ولعل ما ساهم في انتشار الدراما التركية هو تجاوزها المسموح في مثيلاتها العربية، مثل علاقات الحب خارج إطار الزواج، واختلاط الأنساب وبحث الآباء عن أبنائهم، وسطوة المال والجاه والسلاح، والخيانة التي تبررها أحداث القصة، فتدفع المشاهد للتعاطف معها وتبنيها.
وكان لافتا استياء الأتراك أنفسهم من الأعمال الدرامية الصادرة من بلادهم، فبحسب الصحف التركية وما تنقله من تقارير وتحقيقات، فإن الدراما التركية لا تقدم صورة حقيقية عن المجتمع، بل تقدم صورة مغايرة وخادعة، تبين أن الأسر التركية لا تمانع قصص الحب والخيانة العاطفية، فيما تعيش إسطنبول صراعات بين العصابات، ويعيش جزءا كبيرا من الأتراك في قصور باذخة، وهي صورة غير صحيحة بالتأكيد، لكن المشاهد التركي يتفهم أن ذلك مجرد "تجارة" وصناعة، تلقي بظلالها وتأثيراتها على المشاهدين وتغزو أفكارهم، خصوصا المشاهد العربي، أكبر المستوردين لهذه الصناعة.

مجرد فقاعة
تثير الدراما التركية مخاوف على الهوية العربية، في حين يصف البعض علاقة المشاهد العربي وهذا النوع من الدراما بـ "الإدمان"، لكن مهتمون بالإنتاج التلفزيوني أكدوا لـ "الاقتصادية" أن حالة الإدمان هذه للدراما التركية لا تتعدى كونها "فقاعة"، سيتجاوزها المشاهد بعد وجود البديل المتميز والاستثنائي.
التاريخ يؤكد وجود حالات إدمان مماثلة للدراما المكسيكية، مثل مسلسلات "كاساندرا" و"ماريا مرسيدس" وغيرها، كما يذكرنا ذلك بالعصر الذهبي الذي عاشته المسلسلات المصرية، مثل مسلسل "ليالي الحلمية" بأجزائه المتتالية، و"الحاج متولي" الراسخ في أحداثه بأذهان الناس، وكذلك الدراما السورية التي علقت في أذهان المشاهدين من خلال مسلسل "الزير سالم"، و"التغريبة الفلسطينية"، وسعوديا تميز مسلسل "طاش ما طاش" للثنائي ناصر القصبي وعبدالله السدحان. فهل يعيد التاريخ نفسه وتعود الدراما العربية إلى عصورها الذهبية؟ هذا ما سيكشفه مستوى الأعمال الدرامية في شهر رمضان المقبل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون