كذبة «السعوديين ما يشتغلون»

|

استسيغت في البداية، مقولات كاذبة منها على سبيل المثال لا الحصر: "السعوديون ما يشتغلون"، "السعوديون لا يحبون الشغل والكرف"، "السعودي كسلان"، "تبي ينجح مشروعك، جيب أجانب وأبعد عن السعودي"، وغيرها من المقولات التي تحولت عبر زمن طويل إلى نظريات لا يشق لها غبار، ووصل الأمر إلى أن لا أحد من العالمين يجرؤ على الاعتراض على تلك العبارات والمقولات الصماء، ومن يعترض فإن عليه تحمل أهوال إثبات عكسها، والنتيجة محتومة في الأصل، فلن يصل إلا إلى الاصطدام بجدار صلب!
قد لا يهم البعض التعرف على من أطلق تلك العبارة وروج لها، إلا أنه في رأيي سيقود إلى التعرف على العقلية أو الذهنية التي تسيطر على القطاع الخاص، وتديره كيفما شاءت وأرادت، على أن خطورة تلك المقولات الكاذبة، لا تقف عند مجرد زيادة التمكين والسيطرة للعمالة من خارج الحدود، بل تتعداها بأكثر من ذلك وأخطر؛ فحينما تغزو مثل تلك المقولات الكاذبة ذهنية المجتمع بأكمله، وتنتشر فيه جيلا بعد جيل، وتتغلغل في ذهنية الأجيال القادمة، لتصبح بالنسبة لهم "حقيقة" لا مجال للوقوف في وجهها، أو حتى مجرد التفكير في مخالفتها، وإثبات العكس على أقل تقدير أمام النفس، ستكتشف حينئذ أي "فخ" وأي "ورطة" وقع المجتمع فيهما، وهذا بكل أسف ما حدث منه مما لا يستهان به حجما وانتشارا حتى تاريخه، وهو في الوقت الراهن؛ أحد أبرز الحيثيات التي يقف عليها كثير ممن يقاومون اليوم جهود التوطين، وإن لم يصرحوا بها في أحاديثهم وطروحاتهم المضادة للتوطين.
نشأت تلك المقولات الكاذبة من توطد العلاقة "المؤقتة" بين رب العمل والعامل الوافد، وكانت العلاقة "مؤقتة" في بداية الأمر لعدم توافر العامل المواطن المؤهل، على أن يفرغ العامل الوافد مكانه لاحقا للعامل المواطن حينما يتوافر، إلا أن ذلك لم يتحقق! وتحولت العلاقة "المؤقتة" إلى علاقة وطيدة جدا، ونشأ ما يشبه التحالف بين أرباب الأعمال والمنشآت من جهة، ومن جهة أخرى العمالة الوافدة العاملة لديهم، وتحول "بيت العنكبوت" إلى بيت أسمنتي صلب عالي البناء، كان أحد أبرز معوقات التوطين لاحقا، وفي الوقت ذاته "جسرا" واسع النطاق أمام تدفق الملايين الآخرين من كل حدب وصوب إلى سوق العمل المحلية، لتتراكم مئات الآلاف من المتعطلين والمتعطلات من المواطنين أمام البوابة شبه المغلقة للسوق.
بدأ مسلسل الإدمان المفرط على العمالة الوافدة من رجال الأعمال، الذين حولوا "نافذة" الاستقدام "عند الحاجة" في مطلع نهوض منشآت القطاع الخاص قبل نحو أربعة عقود، إلى "بوابة" مفتوحة الأبعاد إلى أبعد مما كان يمكن تصوره، حتى وصل استحواذ العمالة الوافدة على تسعة فرص عمل من كل عشرة فرص "سيطرة بنسبة 90 في المائة"، ولأن أغلب نشاطات منشآت القطاع الخاص طوال العقود الماضية، تركزت على إما الاقتيات من المناقصات الحكومية "عقود التشغيل والصيانة والإنشاءات"، أو الاستيراد بالجملة من الخارج والبيع بالتجزئة محليا، وكلا المجالين السابقين لا يتطلبان توظيف عمالة ماهرة ذات تأهيل علمي مرتفع؛ نتج عن ذلك أن اكتظت سوق العمل المحلية بأكثر من 92 في المائة ممن لا يحملون أعلى من الشهادة المتوسطة! في الوقت ذاته الذي كان التعليم العام والعالي في البلاد، ينتج مئات الآلاف من الموارد البشرية الوطنية المرتفعة التعليم، مع الاعتراف بعدم ملاءمة نسبة لا يستهان بها من تلك المخرجات التعليمية من حيث التخصصات، مع احتياجات ومتطلبات التوظيف في سوق العمل المحلية بشكل عام "حكومي أو خاص".
لقد استغرقت سوق العمل المحلية عقودا طويلة جدا من الإهمال والتجاوزات والتشوهات، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من امتلاء أحشائها وأوردتها وشرايينها بالسموم، وتجاوزت آثار استشراء تلك السموم في سوق العمل إلى ما هو أبعد من السوق ذاتها، لتطبق آثارها السامة على أغلب أوجه الاقتصاد والمجتمع بعاداته وتقاليده وأنماطه المعيشية والسلوكية إلا ما رحم الله وهو قليل جدا. ولست هنا بصدد إثبات زيف تلك المقولات، فأنا أعترف بوجود قدر منها، جاء نتيجة السماح لها بالاستشراء والانتشار، حتى أصبحت في غفلة منا جميعا جزءا خطيرا من ثقافة وذهنية المجتمع. ولك أن تتخيل في ظل هذه الصورة القاتمة لأوضاع سوق العمل المحلية، كيف نجح كثير من الكوادر الوطنية في مجالاتها المختلفة، وسط هذه الحالة الشديدة من الإدمان على العمالة الوافدة، وتحت ضغوط انتشار تلك المقولات الزائفة؟ إلا أنه دليل كاف ليس فقط لإثبات كفاءة العامل السعودي مقارنةً بغيره غير السعودي، بل إنه يثبت أيضا علو همته، وقوة إرادته في وجه الطوفان ذي المد العظيم للإدمان على العمالة الوافدة، لعل من نافلة القول هنا حول إحدى نتائجه؛ أنه قطع الطريق على كل من ردد تلك المقولات صباح مساء، وأجحف في ظلم مبين بأحكامه السطحية تجاه تلك الكوادر الوطنية المتفوقة.
لقد وصلنا إلى مفترق طرق، إما الاستمرار في حالة الإدمان على الوافد، وسنرى حينئذ علاقم متعددة المذاق لا علقما واحدا فقط! أو أن نضع حدا ونهاية حاسمة لحالة الإدمان هذه، مهما بلغ بنا الألم والتكلفة اللازمة للتخلص من سموم ذلك الإدمان! ومن قال لأي ممن يحملون لواء مقاومة توطين الوظائف في بلادنا، إن الطريق إلى ذلك الهدف الوطني المنشود، سيكون ورديا؟ وكيف غاب عن أذهانهم، أن مخاطر استمرار إدماننا على العمالة الوافدة، يفوق في جزء صغير منها مليون مرة وأكثر، كل ما تفتقت عنه أفكارهم من محاذير وآثار وعواقب للتوطين "مثال توطين محال الاتصالات"؟ ومن أوحى لهم بزخرف القول وهما وغرورا، أن إنسانا اعتاد على الكسل والخمول يمكن أن يتعلم حرفةً أو مهنةً أو أي عمل كان، وهو ملقى به خارج أسوار العمل؟ وإن قدر له إدخاله داخل السور، تم وضعه في برواز عمل وهمي؟ لن يتعلم المرء السباحة إلا إذا ألقي في الماء، ولن يتعلم المرء لغة قومه إلا إذا سمع ونطق وقرأ وعاش على أرض الواقع بها.
ختاما؛ تؤكد وقائع ما نتعايش معه من تحديات ومتغيرات على مستوى الاقتصاد الوطني عموما، وسوق العمل المحلية على وجه الخصوص، أن المخاطر الكبيرة جدا لاستمرار تلك التشوهات والسيطرة المفرطة للعمالة الوافدة على أغلب إن لم يكن كل الفرص والمقدرات التابعة للقطاع الخاص، أن تلك المخاطر أكبر اقتصاديا وماليا واجتماعيا وأمنيا من أية مخاطر أو آثار محتملة لمعالجتها، ولا يجب أن تردنا جميعا عن المضي قدما في الطريق السليم لتصحيح الأوضاع الراهنة مهما كلف الثمن! والله ولي التوفيق.

إنشرها