FINANCIAL TIMES

شركات التكنولوجيا الكبرى مصدر إشكالات اقتصادية مهمة

إحدى المسائل الكبرى المتعلقة بالسياسة الاقتصادية اليوم هي كيف - وبالنسبة لبعضهم ما إذا كان - ينبغي لنا تنظيم عمل شركات التكنولوجيا الرقمية. الإجابة التي نعتمدها تنطوي على آثار تتجاوز حدود الاقتصاد. فمن الواضح تماما الآن أن شركات الإنترنت لديها آثار واسعة النطاق في حياتنا السياسية والاجتماعية. لكن هناك أيضا جوانب اقتصادية واضحة يجب التصدي لها تتعلق بهيمنة شركات الإنترنت في كثير من القطاعات.
تقول شركات التكنولوجيا الكبرى إنها تحبذ المنافسة، وكل من سحق منافسيه في الماضي يرغب في المنافسة. لكن دعونا نوضح منذ البداية أن هذا الحب ليس مجردا من الأهواء. أية شركة يمكنها الادعاء أنها ستكون شركة مزدهرة في بيئة تنافسية للغاية، لكنها الوقت ذاته تستهدف إحباط الحجج الاقتصادية الداعية إلى إخضاعها إلى ضوابط تنظيمية من أجل الصالح العام. الحجج الاقتصادية الداعمة للتدخل لمنع الهيمنة على السوق ينبغي أن تفرض وجود شيء اسمه "فشل السوق" – بمعنى أن بعض ميزات السوق تعني أن السوق لا تتوصل عمليا إلى النتائج الجيدة المترتبة على وجود منافسة مثالية. الادعاء بأن المنافسة قوية يعني إنكار وجود حالات فشل في السوق.
وهذا إنكار يجب علينا عدم تقبله في معظم حالات الهيمنة التي تفرضها شركات التكنولوجيا الكبرى. إليكم أربع عقبات تقف في طريق المنافسة، متأصلة في الشركات التي تقوم أعمالها على الإنترنت، ينطبق بعضها على أية شركة إنترنت عملاقة وشهيرة يمكن أن تخطر على بالك.
أولا، العوامل الخارجية على الشبكة تعمل على إيجاد وفورات الحجم. محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التسوق، أو المطابقة، أو الاختيار يمكنها جميعا تأدية مهامها بشكل أفضل كلما زاد عدد الأشخاص المستخدمين للخدمات التي تقدمها. وهذا يجعل من الصعب أن تدخل شركات جديدة حلبة المنافسة.
ثانيا، تتمتع كثير من شركات الإنترنت بوفورات الحجم في أعمالها نفسها بشكل مستقل تماما عن آثار الشبكة. فالحجم الهائل لشركة أمازون والنطاق الجغرافي الذي تتمتع به يجب أن يعملا على تقليص تكاليف الوحدة لديها بشكل كبير، بغض النظر عن عدد عملائها. والنشاط المستند إلى الإنترنت فقط، مثل نشاط الشركات التي توفق ما بين البائعين والمشترين بدلا من بيع منتجاتها هي، يكون من الزهيد جدا توسيع نطاقها.
ثالثا، حقيقة أن شركات الإنترنت تجمع كميات هائلة من البيانات عن عملائها تخلق وفورات الحجم، إضافة إلى اقتصاديات النطاق. وهذا يعني أن نطاق نوع واحد من الأنشطة يخلق ميزات في نطاق آخر. والمثال الرئيسي على ذلك هو النتيجة المبررة تماما التي توصلت إليها المفوضية الأوروبية بأن جوجل أساءت استخدام هيمنتها في مجال البحث لتخلق ميزات ومنافع في مجال التسوق المقارن. وثمة مثال آخر، بالطبع، هو كيف تستفيد شركات الإعلام من أنماط أنشطة المستخدمين لتقديم مقاطع إعلانية أفضل استهدافا من وجهة نظر المعلنين. وهذا بدوره يساعد ويدعم الهيمنة التي تمارسها الشركات الجديدة في اقتصاد الإنترنت من قبل الشركات التي حظيت بمكانة مهيمنة بالأصل في أحد الحقول أو الميادين.
رابعا، يجري تصميم بعض أنشطة الأعمال عبر الإنترنت - وسائل التواصل الاجتماعي هي المثال الأوضح - بهدف أن يصاب مستخدموها بالإدمان. لا تفهم هذا الكلام بشكل حرفي ـ مهندس البرمجيات الذي اخترع زر "أعجبني" في فيسبوك يؤكد هذا الكلام. فهو وعدد من الرواد الآخرين في مجال اقتصاد الإنترنت كما نعرفه مروا بلحظة شبيهة بتلك التي مر بها الدكتور فرانكشتاين، حين راحوا يخططون للتخلص من الوحش الذي أحضروه إلى هذا العالم.
إنه تحد نفسي واجتماعي أن تعمل بعض خدمات الإنترنت على خلق حالات إدمان حقيقية وأحيانا خطيرة. لكننا هنا نهتم بالتحدي الاقتصادي الذي يفرضه هذا الأمر. هناك أدبيات وأبحاث مرموقة حول اقتصاديات الإدمان و"محدودية القدرة العقلانية" بشكل أكثر عموما. لكن النقطة العامة هي أنه في وجود مستهلكين يعانون ضعف الإرادة – خصوصا مع وجود شركات صممت منتجاتها بهدف إضعاف إرادة الناس واستغلال ذلك الضعف - يمكن أن يرقى ذلك أيضا إلى حالة من حالات فشل السوق. وهذا يعني أنه لا يمكننا الادعاء (حتى لو كان صحيحا) بأن بائعي منتجات الإنترنت التي تسبب الإدمان خاضعون للمنافسة، للإشارة إلى أن هذه المنافسة ـ بما هي عليه ـ تؤدي إلى الحصول على النتاجات الجيدة التي يُتوقع عادة أن تتوصل إليها المنافسة.
العوامل الخارجية على الشبكة، ووفورات الحجم، ووفورات النطاق (بسبب البيانات) وقابلية الإدمان، جميعا تجعل شركات التكنولوجيا الكبرى تشكل مشكلة اقتصادية هائلة. هناك أسباب مستقلة، وجدية، تفسر هيمنة عدد قليل من الشركات في نطاق من الخدمات القائمة على الإنترنت، التي ينبغي أن يُنظَر إليها على أنها مختلة وظيفيا من الناحية الاقتصادية – ضد الادعاء المتكرر الذي يقول إن توافر المنتجات الجيدة بأسعار متدنية أو عند مستوى الصفر يعني أنه لا توجد مشكلة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES