FINANCIAL TIMES

لاتفيا .. فضيحة مصرفية في خاصرة منطقة اليورو

على مدى الـ 12 عاما الماضية، كانت الحياة في لاتفيا - إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق الصغيرة لكنها ذات أهمية استراتيجية بمحاذاة بحر البلطيق - تبدو كأنها أشبه بحبكة درامية لمسلسل تلفزيوني حول الجريمة.
في صميم هذه الحكاية المثيرة للجدل إلى أقصى حد هناك إلمارس ريمسيفيكس، رئيس المصرف المركزي منذ فترة طويلة، الذي اعتُقل السبت الماضي بعد أن قالت شرطة مكافحة الفساد "إنه يُشتبه في حصوله على رشا تزيد على 100 ألف يورو من مصرف لم يُذكَر اسمه". بعد الإفراج عنه بكفالة يوم الإثنين الماضي، واجه ريمسيفيكس مباشرة ادعاءات جديدة، من المالك الأنجلو ـ روسي لمصرف نورفيك في لاتفيا، الذي اتهمه وعددا من الوسطاء بالمحاولة مرارا وتكرارا للحصول على رشا. وأشارت الشرطة اللاتفية إلى أن تلك الادعاءات ليست هي نفسها التي تم على أساسها احتجاز رئيس المصرف المركزي.
قبل أيام فقط من توجيه وزارة الخزانة الأمريكية أصابع الاتهام إلى ABLV، ثالث أكبر مصرف في لاتفيا، بـ "غسل أموال منظمة في المصرف"، بما في ذلك تسيير معاملات خاصة بتحويلات انتهى بها الحال مع كيانات مرتبطة ببرنامج كوريا الشمالية النووي. نفى المصرف تهمة غسل الأموال، لكنه طلب الأسبوع الماضي قرضا طارئا بقيمة 480 مليون يورو من السلطات اللاتفية لمساعدته في التغلب على عقوبات أمريكية مقترحة. لكن الهيئة الرئيسية لتنظيم القطاع المصرفي في منطقة اليورو قالت في الساعات الأولى من صباح السبت الماضي "المصرف في سبيله إلى الانهيار، وسيتم تفكيكه من قبل سلطات الاتحاد الأوروبي".
نفى ريمسيفيكس ادعاءات الرشا. قال لـ "فاينانشيال تايمز"، إن المصارف كانت حريصة على الإطاحة به بعد محاولته جعل القطاع أكثر شفافية. والآن يتعين إثبات الحقيقة من قبل ممثلي النائب العام، وكذلك الجهات التنظيمية والمحاكم، ومركز تحكيم مقره واشنطن حيث قدم جريجوري جوسيلنيكوف، رئيس مجلس إدارة نورفيك، لأول مرة شكواه في كانون الأول (ديسمبر).
تسببت تلك الفضائح في الإضرار بسمعة دولة عملت بجد واجتهاد لترسيخ نفسها في حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، ومنطقة اليورو، منذ استعادت استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991. وريمسيفيكس هو ممثلها في مجلس إدارة المصرف المركزي الأوروبي، الذي هو أشبه بالمكان المقدس لمنطقة اليورو. ومن المفترض أن واشنطن أعلنت عن ادعاءاتها ضد مصرف ABLV لأن التحذيرات الخاصة لريجا لم تسفر عن التوصل إلى نتائج كافية. يوم الجمعة الماضي قال رئيس وزراء لاتفيا، ماريس كوشينسكيس، "إن الحكومة عازمة على تقليص حصة الودائع الأجنبية في مصارفها".
وحقيقة إن المسؤولين الأمريكيين شعروا بالحاجة إلى دق ناقوس الخطر بشأن مصرف في منطقة اليورو تسلط الضوء أيضا على أوجه القصور في تنظيمات الاتحاد الأوروبي، حيث يترك أمر محاربة عمليات غسل الأموال للدول الأعضاء. بعد الأزمة المالية التي اندلعت في عام 2013، في قبرص التي هي، مثل لاتفيا، أحد مراكز مصارف الأوفشور بالنسبة إلى الشركات الروسية، فإن التطورات الراهنة تعد تذكرة بالمفاجآت التي تستطيع الدول الأعضاء الأصغر حجما والأحدث في منطقة اليورو إحداثها.
ادعت وزارة الدفاع في لاتفيا أن القضية ربما تكون حملة تشهير خارجية مشابهة لتلك الحملات التي حصلت قبل الانتخابات الأمريكية والفرنسية والألمانية - حيث توجه أصابع الاتهام بشكل غير مباشر نحو موسكو. ورغم أن لاتفيا ستشهد انتخابات في تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أن كثيرا من المواطنين كانوا متشككين، في حين إن متحدثا باسم الكرملين قال "الأمر يفتقر إلى الحس الواقعي".
لكن بعض المراقبين في الخارج يتخذون الأمر على محمل الجد. يقول أندريس آسلوند، وهو مختص في اقتصادات ما بعد الاتحاد السوفياتي، مقره واشنطن "أعتقد أن كل هذه القضية تتعلق بالأمن القومي أكثر من كونها متعلقة بالأمن المصرفي. من غير الواضح نهائيا من هو الفاعل الحقيقي وراءها".
بعد نيل الاستقلال، شرعت ريجا في استعادة مكانتها التي احتلتها على مدى عقود بوصفها مركزا تجاريا وماليا رائدا في البلطيق. يستذكر آسلوند قائلا "أول محافظ للمصرف المركزي فيها، إينارز ريبسي، كانت لديه رؤية بشأن التحول إلى سويسرا البلطيق. أجرت المصارف السويدية عمليات شراء مكثفة في سوق لاتفيا للعملاء المقيمين".
لكن روابط لاتفيا التجارية والثقافية واللغوية بجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة - ربع عدد سكانها من الروس - وفرت فرصة لأن تصبح جسرا ماليا بين الشرق والغرب. وعضوية الاتحاد الأوروبي في عام 2004، زادت من جاذبيتها في كلا الاتجاهين. كما أن الائتمان الرخيص من المصارف السويدية أشعل طفرة اقتصادية في لاتفيا. وعملت الأزمة المالية العالمية على تحويل ذلك إلى انهيار.
اضطرت ريجا في كانون الأول (ديسمبر) 2008، إلى إنقاذ ثاني أكبر مصرف في البلاد الذي يعد من المصارف المهمة للعملاء غير المقيمين، وهو مصرف باريكس، الذي جعل لاتفيا بحاجة إلى مبلغ إنقاذ من صندوق النقد الدولي حجمه 7.5 مليار يورو، وهو مبلغ يعادل أكثر من ثلث إجمالي ناتجها المحلي. وللوفاء بشروط عملية الإنقاذ في الوقت الذي تحافظ فيه على العملة المحلية مرتبطة باليورو، وللحفاظ على طموحاتها المتمثلة في الانضمام لاحقا للعملة المشتركة، تطلب ذلك تطبيق برنامج تقشف أصابها بالشلل وجعل اقتصادها يتقلص بمقدار يقارب الخمس تقريبا في غضون عام واحد.
بدأ الاقتصاد في التعافي، وتم اجتذاب عملاء الاتحاد السوفياتي السابق إلى لاتفيا باعتبارها ملاذا آمنا لهم. وكانت بعض الأموال الداخلة ملوثة.
تقول سانيتا جيمبيرجا، رئيسة التحرير التنفيذية لمركز ري بالتيكاRe Baltica، وهو مركز للصحافة الاستقصائية في البلطيق، "كثير من الناس في لاتفيا يشعرون بأن السلطات تغض الطرف بشكل كبير فوق الحد، ما يسمح بأن يصبح جزء من القطاع المصرفي كأنه آلة غسل لبلدان الاتحاد السوفياتي السابق".
ظهرت ادعاءات لاحقة بأن المصارف اللاتفية تتعامل مع أموال "غير نظيفة" من مصادر متنوعة. إلى جانب ذلك، المطالبون بالعدالة للراحل سيرجي ماجنيتسكي، وهو محامي ضرائب كشف عن عملية احتيال بقيمة 230 مليون دولار من قبل مسؤولين روس كبار وجماعة للجريمة المنظمة ضد وزارة الخزانة الروسية، لديهم وثائق تبين أن بعض العائدات مرت من خلال مصارف لاتفية. وأظهرت تقارير قدمها محققون أن المصارف اللاتفية تعاملت مع أموال تقدر قيمتها بمليار دولار تم سحبها بصورة غير مشروعة من ثلاثة مصارف في مولدوفا عام 2014.
في العام نفسه، ادعى "مشروع الإبلاغ عن الفساد والجريمة المنظمة" أن 20.8 مليار دولار قد تم تهريبها إلى خارج روسيا تحت اسم "عملية غسل لوندرومات". ويقال إن ما يقارب 13 مليار دولار مرت من خلال أحد المصارف في لاتفيا مرت عن طريق تراستا كوميرشبانكا، الذي خسر فيما بعد ترخيصه وهو الآن مفلس.
وأثارت الضغوط الدولية جهودا هدفها تنظيف الودائع الخاصة بغير المقيمين، التي تستأثر بما يصل إلى 39 في المائة من إجمالي الودائع في المصارف اللاتفية. وفرض رئيس جديد للهيئة المنظمة غرامات مالية ضخمة. في العام الماضي فُرضت غرامة مالية على خمسة مصارف، بما فيها نورفيك، لانتهاكها عقوبات فرضتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة على كوريا الشمالية بين عامي 2008 و2015. لكن مصرفABLV لم يكن ضمن تلك المصارف.
يقول توم كيتينج، مختص الجرائم المالية لدى "معهد الخدمات الموحدة الملكي" في المملكة المتحدة "بناء على ما شهدناه، كنت أظن أن اللاتفيين يبذلون جهودا كبيرة. أعتقد أن أخطاءهم أدركتهم الآن، للأسف".
ريمسيفيكس الذي عمل نائبا لمحافظ المصرف المركزي منذ عام 1992، ومحافظا للمصرف منذ عام 2001، عاصر 13 رئيسا للوزراء. والآن تتعرض سمعته لكثير من الانتقادات كما لم يحدث من قبل.
تعليقات مكتب مكافحة الفساد في لاتفيا، التي تفيد بأن التحقيقات فيما إذا كان ريمسيفيكس قد سعى إلى الحصول على رشا مرتبطة بمؤسسة مالية غير عاملة حاليا في لاتفيا، أدت إلى استثارة تكهنات بأن الاتهامات مرتبطة بـ "تراستا كوميرشبانكا". لا يؤكد ريمسيفيكس ولا التحقيقات هذا الأمر، لكن أحد المصادر المطلعة على التحقيق أشار إلى أن التكهنات قد تكون دقيقة. من ناحية أخرى، قال جوسيلنيكوف لوكالة أنباء أسوشييتد برس "ريمسيفيكس وعددا من الوسطاء حاولوا مرارا وتكرارا ابتزاز رشا منه، ومعاقبة مصرف نورفيك من خلال اتخاذ إجراءات تنظيمية عندما رفض التعامل معهم". وأضاف "الاجتماعات مع ريمسيفيكس جرت في منزل في إحدى الضواحي ومرة واحدة في المقعد الخلفي لسيارة خارج مطعم صيني في ريجا".
ويرفض ريمسيفيكس ادعاءات الرشا ويصفها بأنها "سخيفة تماما" ويقول "اجتماع المطعم لم يحصل قط". ومع أنه ليس مسؤولا بشكل مباشر عن الإشراف على العمليات المصرفية، يقول "الضغوط التي يمارسها من أجل زيادة الشفافية، بما في ذلك مراجعات الحسابات من قبل شركات قانون أمريكية، وفتح دفاترها أمام الجهات التنظيمية الأمريكية، عملت على تدمير بعض نماذج الأعمال لدى بعض المصارف. الآن، يرغب بعض هذه المصارف، التي لا يعرف أيها أو كم عددها، في الإطاحة به".
ويضيف "إجراءات منظمة تنظيما جيدا من قبل مجموعة من الأفراد والمصارف التي قدمت الخدمات للعملاء غير المقيمين في أوقات مختلفة والذين أصبحتُ بالنسبة إليهم بمنزلة عبء".
من جانبه، قال جوسيلنيكوف عبر تلفاز لاتفيا هذا الأسبوع لدي أدلة تدعم ادعاءاته. وقال أوليفر برامويل، الرئيس التنفيذي البريطاني لمصرف نورفيك، "مالك المصرف كان يجهز تلك الاتهامات بشكل خاص منذ أشهر". وأضاف في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز"، "المصرف أبلغ مكتب الاحتيال الخطير في المملكة المتحدة في آب (أغسطس) الماضي بمخاوفه، منذ أن حصل جوسيلنيكوف على الجنسية البريطانية". وعندما لم يتلق أي رد من مكتب الاحتيال الخطير في غضون ثلاثة أشهر، تقدم مالك مصرف نورفيك بشكواه إلى الشرطة في لاتفيا وإلى هيئة التحكيم. حقيقة إن جميع الفضائح جاءت في وقت واحد، بحسب ما يشير برامويل، هي صدفة وليست مؤامرة، ويقول "أعتقد أن أمورا معينة كانت ربما آخذة في التشكل على مر الزمن، وكلها تكشفت في غضون أيام قليلة".
على بعد مسافة قليلة من مقر نورفيك كان المسؤولون في مصرف ABLV يسابقون الزمن لتحقيق استقرار في شؤونه المالية بعد أن جمّد المصرف المركزي الأوروبي الإثنين الماضي المدفوعات والسحوبات. وقال إيرنستس بيرنيس، رئيس مجلس الإدارة، "1000 مودِع وافقوا على إبقاء أموالهم في المصرف لفترة زمنية لا تقل عن عام واحد". قبل إعلان المصرف المركزي الأوروبي صباح السبت الماضي، قال مختصو اقتصاد "ارتباطات مصرف ABLV المحدودة بالاقتصاد المحلي تعني أنه ربما لن يشكل أي خطر نظامي في لاتفيا". لكن الآثار تتردد أصداؤها في بلدان أخرى.
تقول دانا ريزنيسي-أوزولا، وزيرة المالية في لاتفيا، "التحقيقات في قضية ريمسيفيكس هي في حد ذاتها إشارة جيدة إلى تصميم الحكومة وعزمها على اجتثاث الفساد في كل مكان. لا يهم سواء كانت الغنيمة كبيرة أم صغيرة. وتضيف "لقد اتخذت ريجا خطوات جيدة في التعامل مع مسألة غسل الأموال، رغم أن كثيرا من الأمور لا تزال بحاجة إلى التحسين".
ربما تؤدي فضائح لاتفيا إلى تغييرات على مستوى الاتحاد الأوروبي. قالت دانييل نوي، رئيسة المجلس الإشرافي في المصرف المركزي الأوروبي، "القرار الذي اتخذته الدول الأعضاء في الاحتفاظ بمسؤوليتها المتمثلة في التصدي لمسألة غسل الأموال أدت إلى تجريد المصرف المركزي الأوروبي من سلطاته التحقيقية في الكشف عن أوجه قصور من هذا القبيل".
في الوقت نفسه، أعربت الولايات المتحدة عن استعدادها للتدخل في حال عجِز المنظمون الأوروبيون عن تشديد القبضة على غسل الأموال. جون ساليفان، نائب وزير الخارجية، قال خلال زيارة إلى ريجا يوم الخميس "الولايات المتحدة تشعر بالقلق حيال أحد أعضاء حلف الناتو". وتابع "من الممكن أن تتخذ التهديدات الأمنية أشكالا كثيرة، بما في ذلك الفساد والجهود الرامية إلى إضعاف نزاهة النظام المالي".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES