الكرم و«التخشيم» تحت المجهر!

|

لا شك أن المحافظة على القيم العربية الأصيلة والدينية الإنسانية النبيلة مطلب الجميع، لأنها جزء من الهوية الثقافية، ومع ذلك لا يوجد شيء على وجه الأرض لا يقبل التطوير والتحسين والتغيير إلا كتاب الله المطهر وسنة رسولنا الأمين عليه الصلاة والسلام. لذلك ينبغي أن تخضع بعض العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية للنظر بين حين لآخر، نتيجة تطور المجتمعات، وتغير أذواق الناس، وانتشار الأمراض ونحوها. وسأركز في مقال هذا اليوم على "الكرم" وممارسات السلام والتحية بين الناس، وسيتلوه مقالات أخرى حول قيم اجتماعية أخرى.
من المؤكد أن الكرم من القيم الأصيلة التي يتميز بها العرب، فلا أعرف شعوبا أخرى تتفوق على العربي في هذه الخصلة، ولا بد أن للحياة الصحراوية القاسية دورا في وجود الكرم والاعتزاز به بين أبناء الصحراء، ويرى غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ أن "الكرم كلمة اخترعها العرب كضمان اجتماعي من الجوع عند التنقل في الصحراء... "ثم" تأزم مفهوم الكرم لدى العرب ودخل دهاليز التبذير والتفاخر.. وانحصر لديهم على ذبح قرابين اللحم والشحم.. ويختتم القصيبي مقالته الشهيرة بالقول: "العرب لا تعرف منه إلا تعبئة البطن، وبعد تعبئة البطن يختفي الكرم لتكون صفة التعامل بينهم هي الأنانية إﻻ من رحم ربي".
لا شك أن الممارسات التي نشاهدها خلال العقود الماضية أفرغت هذه القيمة الأصيلة من محتواها وغيرت الغرض من وجودها، فتحول الكرم ليكون مقتصرا ـ في أغلب الأحيان ـ على استضافة أصحاب الشأن والنفوذ، وارتبط مستوى البذخ بمكانة الضيف الاجتماعية أو مرتبته الوظيفية. ولا يحتاج الأمر إلى تذكير القارئ بتسابق البعض لتحضير أكبر صحن يتسع لعشرات الذبائح من الأغنام والإبل! وكنتيجة لذلك أصبحت بعض السلوكيات، ـ أو "الهياط" كما يطلق عليها العامة ـ مثار سخرية الشعوب الأخرى ووصمة يربطونها بالجهل والإسراف والتبذير لدى العرب. لذلك ينبغي العمل على تصحيح مفهوم "الكرم" والتأكيد بأنه لا يقاس بكثرة الأكل وكميات الشحم واللحم، وإنما يقاس بشموليته للناس "دون تخصيص"، وحسن المقصد والهدف، والاعتدال في تقديم المأكل والمشرب.
ومن الخصال أو القيم النبيلة لدى العرب خصوصا الشعوب الشرقية عموما الحفاوة بالصديق والقريب والدفء في الاستقبال، فبعض الشعوب توصم بالبرود وجفاف المشاعر عند الاستقبال، ما يفقد الحياة طعمها ويحرم الناس من الحنان والدفء في التعبير عن المشاعر الإنسانية، ولكن أصبح لدى العرب مبالغة في السلام وطقوسه، خاصة مع كثرة الناس وتعدد المناسبات الاجتماعية، وتنوع الثقافات، ما قد يتسبب في إحراج البعض الذين يعانون من وعكة في الجهاز التنفسي مثل الإنفلونزا ونحوها، ويسهم في نقل كثير من الأمراض لكبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة لديهم، ويهدر كثيرا من الوقت، خاصة في المناسبات الكبيرة جدا. ولذلك لا حاجة للمبالغة في تقبيل الأفواه و"الخشوم"، بل لا بد من الاستعاضة عن التقبيل "التخشيم" بقبلة على هامة الرأس تقديرا للكبير، أو المصافحة خدا بخد للأقارب والأصدقاء، والاكتفاء بالمصافحة باليد فقط لعموم الناس، خاصة في المناسبات الكبيرة التي تحتوي على مئات الناس. ولعل القارئ العزيز يتذكر الهلع والخشية من انتشار "إنفلونزا الطيور" الذي جعل الجهات الصحية تحذر من بعض السلوكيات التي قد تؤدي إلى انتقال المرض من شخص لآخر. واختتم بقبلة على هامة كل قارئ!

إنشرها