FINANCIAL TIMES

الحرب التجارية ترهق المستثمرين .. وصناعة السيارات العالمية إحدى الضحايا

بعد شهر من الجيشان، يواجه مستثمرو الأسهم اختبارا كبيرا في الوقت الذي يثير فيه قرار دونالد ترمب فرض رسوم جمركية على واردات أمريكا من الألمنيوم والصلب خطر نشوب حرب تجارية عالمية.
سجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 هذا الأسبوع ثلاثة أيام متتالية من التراجع بمعدلات تجاوزت 1 في المائة، وهي أول حالة من هذه الخسائر اليومية المتتالية منذ أكثر من عامين، في الوقت الذي تعاني فيه السوق من أجل تثبيت أقدامها بعد شهر تقريبا على عملية تصحيح بنسبة 10 في المائة.
وازدادت حدة المزاج الهش عبر الأسهم العالمية بعد أن عانت شركات صناعة السيارات العالمية وشركات تصنيع الألمنيوم والصلب الأوروبية والآسيوية انخفاضات حادة في نهاية الأسبوع. في الوقت الذي تشير فيه إدارة ترمب إلى عزمها على زيادة الرسوم الجمركية العالمية على الصلب والألمنيوم بنسبة 25 في المائة و10 في المائة، على التوالي، يتدافع المحللون والمستثمرون لتقدير الأضرار المحتملة، وما إذا كانت هناك حرب تجارية واسعة النطاق ستنشب إثر ذلك.
يقول آدم سندر، كبير الإداريين الاستثماريين في شركة سندر وشركاه، وهي صندوق تحوط، "إن قصة سوق الأسهم تحولت في أعقاب إعلان إدارة ترمب عن إجراءات أكثر صرامة بشأن التجارة". ويضيف "الحروب التجارية، إضافة إلى مزيد من التقلبات، تعد مزيجا سيئا. والقول إن هناك كثيرا من التيارات العابرة في الأسواق في الوقت الراهن هو تهوين للأمور". الضغوط التضخمية - الخطر الذي يطارد في الأصل مستثمري الأسهم، مثل الخطر الذي يرجح أنه ينطوي على ارتفاع في عائدات السندات - يمكن أن تنتشر بسبب الحرب التجارية. وعلى الرغم من انخفاض عائدات سندات الخزانة أثناء البحث عن ملاذ آمن يوم الخميس، عادت ووصلت يوم الجمعة إلى مستويات أعلى حتى في الوقت الذي ظلت فيه الأسهم معرضة للضغط.
يقول مايكل أندرهيل، كبير الإداريين الاستثماريين في شركة كابيتال للابتكارات "عبء الرسوم الجمركية التي يجري اقتراحها سيتم تحميله على المستهلك الأمريكي، لذلك ارتفاع الرسوم أمر تضخمي بطبيعته".
بالنسبة إلى المستثمرين تبرز شركات صناعة السيارات العالمية باعتبارها من الضحايا المحتملين، نظرا لاستخدامها الصلب والألمنيوم واعتمادها على سلاسل التوريد المعقدة العابرة للحدود. وأسهم الشركات الأمريكية الكبيرة الرائدة التي تعتمد على مبيعات عالمية واسعة النطاق، مثل كاتربيلر وبوينج، تتعرض للأضرار أيضا بسبب المخاوف المتعلقة بتصعيد العقوبات التجارية المفروضة.
وبحسب مايكل آرون، كبير المختصين الاستراتيجيين الاستثماريين في "ستيت ستريت"، "مع هذه الرسوم الجمركية، سترتفع أسعار الصلب والألمنيوم (...) ولأن تلك المنتجات مدخلات مهمة في تصنيع السيارات، سترتفع تكلفتها بالنسبة إلى شركات تصنيع السيارات. وسيكون أمامها خيار إما تحميل تلك التكاليف على المستهلكين وإما أن تصبح الشركات أقل ربحية".
وبحلول بعد ظهر يوم الجمعة كانت أسهم جنرال موتورز تتجه نحو خسارة أسبوعية بنسبة 10 في المائة تقريبا - أسوأ تراجع أسبوعي لها منذ أكثر من عامين. وانخفضت أسهم شركة فورد 4.8 في المائة خلال الفترة الزمنية نفسها. وتراجعت أسهم "فيات كرايزلر" و"ديملر" و"تويوتا" بشكل حاد، مع تحذير الأخيرة من أن الرسوم الجمركية المفروضة من شأنها أن تؤثر سلبا في صناعة السيارات وتؤدي إلى ارتفاع التكاليف المترتبة على المستهلكين.
شركات الألمنيوم والصلب الأمريكية التي كانت تشتكي منذ فترة طويلة من الإغراق الصيني، كانت المستفيد الفوري من هذه الخطوة، لكنها تخلت يوم الجمعة عن بعض المكاسب بسبب مخاوف من أن البلدان الأخرى ربما تتخذ إجراءات انتقامية.
ويوم الخميس اندفعت أسهم كل من نوكور وشركة الصلب الأمريكية وشركة الصلب "إيه كيه" بنسبة 3.3 في المائة و5.8 في المائة و9.5 في المائة، على التوالي، لكنها جميعا سجلت انخفاضا حادا مرة أخرى يوم الجمعة. وقفزت "سينتشري للألمنيوم"، وهي شركة إنتاج صغيرة مقرها فرجينيا الغربية، لتحقق ارتفاعا نسبته 7.5 في المائة بعد الإعلان عن الرسوم، لكنها تراجعت 2.5 في المائة إلى مستوى أقل بحلول منتصف نهار الجمعة.
وزادت المخاوف المتعلقة بالحروب التجارية منذ انتصار ترمب في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، نظرا للخطاب الذي كان يستخدمه في الحملة الانتخابية حول هذه القضية ـ والصين بشكل خاص.
مع ذلك، وبصرف النظر عن تجميد برنامج ثنائي لتدعيم العلاقات الاقتصادية الصيف الماضي، كان أداء إدارة ترمب أسوأ بكثير من وعودها. وشجع ذلك المستثمرين على التركيز بشكل أكبر على الجوانب الإيجابية المحتملة للسياسات الاقتصادية التي تعتمدها الحكومة الأمريكية، بشكل أساسي التخفيضات الضريبية الكاسحة التي ستعزز أرباح الشركات. والنتيجة كانت أن 2017 كانت واحدة من أفضل السنوات بالنسبة إلى سوق الأسهم.
ويعتقد أندرو هانتر، المختص الاقتصادي الأمريكي في "كابيتال إيكونومكس"، أن الأثر المباشر لتلك الرسوم سيكون ضئيلا للغاية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تستورد نحو ثلث احتياجاتها من الصلب، إلا أن الصلب والألمنيوم يستأثران بنسبة تزيد قليلا على 2 في المائة من واردات البلاد، لذلك يفترض أن ترتفع أسعارهما نحو 0.5 في المائة فقط.
لكن الخطر هو أن بلدانا أخرى يمكن أن تتخذ إجراءات انتقامية. ففي الوقت الذي تستأثر فيه الصين بحصة صغيرة فقط من واردات الصلب الأمريكية، بسبب الحواجز التجارية القائمة، إلا أنها بشكل مريح هي أكبر بلد منتج للصلب في العالم، وقد تفرض وفقا لهانتر، قيودا انتقامية على المنتجات الزراعية الأمريكية.
علاوة على ذلك، قد يصدر رد فعل من كل من المكسيك وكندا لأن تلك الرسوم "ستكون غير متوافقة مع قواعد نافتا".
وسيكون الأثر الأكبر والأشد للرسوم الجمركية على الألمنيوم في كندا، التي تصدر نحو 2.5 مليون طن من هذا المعدن للولايات المتحدة كل عام ـ وعلى شركة ريو تينتو.
شركة ريو، مزود الولايات المتحدة الأكبر بالألمنيوم من خلال مصاهرها الموجودة في كندا، أعلنت أنها ستواصل "الانخراط" مع إدارة ترمب بشأن الرسوم الجمركية. وقالت "لطالما كان الألمنيوم الوارد من كندا أحد المدخلات الآمنة والموثوقة بالنسبة إلى شركات التصنيع الأمريكية - بما في ذلك قطاع الدفاع".
ويشير هانتر إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دبليو بوش، كان مضطرا لإلغاء الرسوم الجمركية بعد وقت قصير من فرضها في عام 2002 بعدما اعتبرتها منظمة التجارة العالمية خطوة غير مشروعة، فيما هدد الاتحاد الأوروبي بالانتقام من واردات البرتقال من فلوريدا والسيارات في ميتشجان. لكن ليس من المحتمل كثيرا أن تتراجع الإدارة الأمريكية أمام ضغط منظمة التجارة العالمية، أو نافتا، المعاهدة التي تعهد ترمب بإعادة التفاوض بشأنها.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES