قررت الجامعة تعليق الدراسة

|

أقر وأعترف بأنني من جيل لم يعرف كلمة "تعليق الدراسة". قد نكون من الديناصورات كما يرانا بعض الصغار اليوم، لكننا عشنا وتعايشنا وذهبنا إلى المدارس في الحر والبرد والغبار والصقيع. الاستثناء الوحيد كان عندما تجري الوديان وتقطع الوصول -قسريا- إلى المدارس. وحينها لم نكن نحصل على إجازة اليوم الواحد، وإنما نعلم أننا سنكلف بشيء ما إلا من رحم ربي من أبناء التجار والذوات. 
تلكم فترة كافح كل من عاش فيها في مجاله، فلم تكن هناك الخادمات اللواتي يحضرن الأطفال للمدارس ويحرصن على جلوس الطفل في المكان المناسب وأنه لا يعاني أي مضايقات في الفصل أو خارجه. تعد هؤلاء السيدات ما لذ وطاب للأطفال، ليس لكسل في الأمهات، وإنما لأن أغلبهن ما زلن في مرحلة النوم بعد أمسية متعبة في حفل صديقة أو جارة كان لا بد من مراعاة خواطرهن من باب الذوق والمجاملة الاجتماعية "المهمة".
حرم أطفال فترتنا السحرية من السائقين الذين يقدمون الخدمة على شكل يوحي بالهيبة ويعطي الطفل الإحساس بأهميته عندما يفتح له باب السيارة وتحمل حقيبته لتوضع إلى جواره في المرتبة الخلفية. يعمل السائقون كخدمة مستقلة وحديثة لم يكن أحد يقوم بها في وقت كان يسير الطفل ما يقارب عشرة كيلومترات في بعض الأحيان للوصول إلى المدرسة التي لا تغلق أبدا، ولا يكل حاملو العصا فيها من تأديب كل من يخرج على النظام أو يتجرأ حتى على رفع صوته.
كل ما ذكرت هو تطور وصل إلى مرحلة مقلقة. فيه يفقد أبناؤنا وبناتنا هوياتهم، لكنهم في الوقت نفسه يفقدون القدرة على اتخاذ القرارات المهمة والتفاعل مع الحياة بحلوها ومرها. يفقدون حسن التعامل مع الكبار ويتحولون في مرحلة متقدمة إلى حالة من الضياع عندما يدركون أنهم ليسوا أهم مخلوقات العالم، وأنه لا مكان للتجريح ورفع الصوت والإهانة التي كانوا يمارسونها مع من يخدمونهم.
بدأت الحديث عن التطور المخيف الذي نعيشه في مجتمعنا مع فقدان القدرة على التفاعل مع المؤثرات التي لا بد أن نعيش ونتعايش معها، وأهمها المناخ الذي نعيش فيه ويحيط بنا. هنا جاءت الفكرة العبقرية التي تقول، إنه خوف على أبنائنا وبناتنا من الآثار فنحن سنعلق الدراسة، وعندما نقول "آمنا" بهذه الفكرة لأطفال الابتدائية، فلماذا نطبقها على طلبة المتوسطة أو الثانوية، أما نطبقها على الجامعات فذاك لعمري "كثير".

اخر مقالات الكاتب

إنشرها