أثر «المعيار 9» في المصارف السعودية

|
المحاسبة المالية هي أحد أهم أركان عالم الأعمال؛ كونها توفر معايير لقياس الوضع المالي للأنشطة التجارية. وحتى تكون المعلومات المالية التي توفرها القوائم المالية مفيدة ومقارنة، كان من اللازم وضع أسس ومعايير محاسبية محددة. أهمية هذه المعايير في الصناعة المالية كبيرة، حيث يمكن أن تحدد الفرق بين أن تكون منشأة رابحة أو خاسرة. فعلى سبيل المثال، كان لاعتماد المصارف حول العالم مبدأ الخسارة المحققة أثر كبير في تفاقم الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2009، خصوصا في القروض. فهذا المعيار المحاسبي اعتمد مبدأ وقوع التعثر لحساب الخسائر على القروض التي تعطيها المصارف للشركات، مع غض النظر عن الوضع المالي للشركة المقترضة. وبذلك تجنبت المصارف حساب الخسائر لفترة طويلة، ولكن بمجرد اندلاع الأزمة وتخلف كثير من الشركات عن السداد، تدهورت قيمة محافظ القروض لدى المصارف بسرعة شديدة. نتيجة لذلك، عملت مجموعة العشرين وعديد من المجالس المحاسبية على تطوير معيار جديد يأخذ في الاعتبار خسائر الائتمان المتوقعة تحت مسمى "المعيار 9" ضمن المعايير المحاسبية الدولية. يعمل "المعيار 9" على إعادة تصنيف محافظ المصارف من الدين، سواء كانت استثمارات في سندات وصكوك الشركات أو قروضا مباشرة بما يتلاءم مع الغرض منها، سواء كان للمتاجرة أو الاحتفاظ بالأصل. وعادة ما تصنف المصارف القروض التي تقرضها تحت بند الاحتفاظ بها مع تحصيل العوائد. الجديد في هذا المعيار أن المصارف لن تكون قادرة على تقييم الأصول تحت هذا البند بقيمته الدفترية فقط، بل يجب عليها أيضا حساب الخسائر المتوقعة وتسجيلها في قائمة الدخل مباشرة. ونظرا لدخول "المعيار 9" حيز التنفيذ مع بداية العام الجاري، فقد أعطيت المصارف المجال لحساب الفرق الناتج في مخصصات الائتمان بين النظامين، الخسائر المحققة والخسائر المتوقعة، دون تحميل أعباء المخصصات الإضافية نتيجة تغيير النظام في قائمة الدخل، بل يتم خصم الفرق مباشرة من حقوق المساهمين. ولذلك تضمنت القوائم المالية للمصارف السعودية المعلنة أخيرا عن نهاية عام 2017 تقديرات للمصارف عن الأثر المالي للتغيير إلى "المعيار 9". تخفيض حقوق المساهمين من بند الأرباح المبقاة سيكون له أثر مباشر في الملاءة المالية للمصارف. وعلى الرغم من تمتع المصارف السعودية بملاءة مالية عالية، إلا أن تغيرا كبيرا في مستوى الملاءة سيكون له أثر في نموذج عمل المصرف وخطط توسعه المستقبلية، ومن هنا نشأت حساسية إعلان هذه التقديرات. تباينت تقديرات المصارف السعودية لأثر التغيير بين 1 في المائة من إجمالي حقوق المساهمين وصولا إلى نحو 5 في المائة. هذا التباين يعود إلى اعتماد كل بنك على نماذج مختلفة في تقييم مخاطر الائتمان وفقا لمتطلبات "المعيار 9". ما يعني أن العام الجاري قد يشهد تقلبات في نتائج المصارف عن أدائها التاريخي. الأمر الذي سيتطلب من المحلل والمستثمر في قطاع المصارف متابعة عميقة لكل البيانات والمعلومات المنشورة لإعادة تقييم المراكز المالية للمصارف.
إنشرها