المشراق

صناعة الكذب

تخيّل أن مدرّساً دَرَّس في قرية فيها مائة طالب، وكل الطلبة متفوقون يحصلون على درجات عليا، وذوو أخلاق عالية، ما عدا طالب منهم كسول سيئ الأخلاق، ولأن هذا المدرس يكره هذه القرية أخذ يروي أن طلابها كسالى بلا أخلاق. ما حكمكم على هذا المدرس؟ هل هو كذاب، أم حقود، أم كذاب حقود، أم أخذ جزءاً من مائة جزء من الحقيقة فرواه وأخفى بقية الحقيقة وهي الغالبية العظمى. وعلى كل حال فالمثل يقول: "نصف الحقيقة كذبة كاملة".
قبل أيام استمعت إلى داعية، دكتور متخصص في الشريعة وأصول الدين، تكلم في محاضرته كلاماً غريباً عن ضابط حدثه أنه لم يكن يستطيع الصلاة علناً في قاعدة المنطقة الشرقية خوفاً من أن يراه أحد الضباط، لأنهم سيسخرون منه ويستهزئون به طوال اليوم لأنه صلى، ويضيف الداعية أن رئيس القاعدة "نجدي" ويلبس سلسالاً من ذهب، ولا يصلي أبداً. ثم يذكر أن قاعدة خميس مشيط لم يكن فيها أي مصلى. ثم يضيف فضيلة الداعية أن قليلاً من الناس من كان يصلي، وأن المساجد كانت خاوية في كل بلاد العالم العربي والإسلامي.
انتهت رواية فضيلته، وحديثه عن فترة التسعينيات هجرية من القرن الماضي، السبعينات ميلادية، وحدد من ضمن التواريخ 1390هـ/ 1970، وعام 1393هـ/ 1973.
وأنا لا أعي العام الأول، لكني أتذكر التاريخ الثاني وما بعده. كنت طفلاً يصطحبني والدي أو أحد إخواني الكبار إلى المسجد في الرياض، وكان مسجدنا كسائر المساجد مليئاً بالمصلين من كل الأعمار في كل الفروض. وخشية من أن أكون واهماً أو خانتني ذاكرتي فقد سألت العشرات ممن أعرفهم ممن يكبروني سناً، وكلهم أجمعوا دون استثناء على أن الداعية الدكتور كذاب، وأن المساجد كانت ممتلئة بالناس، وسألت عدداً من الضباط وكلهم اتهمه بالكذب. كان فيصل هو ملك السعودية، وكان الأمير خالد هو ولي العهد، وكان الرجلان معروفين بالتديّن، وحريصين على أن يطبق الناس كل تعاليم الدين، وخاصة الصلاة، ومع ذلك يجرؤ "فضيلة" الداعية أن يقول كلاماً مثل كلامه السابق. كان هناك علماء نشروا النور والعلم في كل مكان مثل ابن باز، وابن حميد، وابن عثيمين ومئات غيرهم، ثم يأتي الداعية ليقول ما قال.
إنه صناعة الكذب، ليصبح يوماً ما رواية تاريخية. وإن يكذب فقد كذب إخوانٌ له من قبل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق