محاربة التستر والتوطين الوهمي

|
أي جناية كبرى؛ تلك التي ارتكبها بحق مقدرات بلادنا واقتصادنا ومجتمعنا، كل من تورط في جريمتي التستر التجاري والتوطين الوهمي؟! وأي أعذار أقبح بكثير من الذنب؛ تلك التي يلوح بها المنتفعون أو من قصرت بصيرتهم عن معرفة الآثار السلبية الوخيمة جدا، لاستشراء التستر التجاري والتوطين الوهمي في بيئتي الأعمال وسوق العمل المحلية؟ أي منطق معوج هذا الذي يزعم أن التستر التجاري فتح بيوتا، وأنفق بفتات أمواله على أسر وعائلات، وستر حالها عن الوقوع في الجوع والفقر؟ يلطمه المنطق المستقيم؛ بالسؤال عن مصير آلاف الأسر والعائلات التي حرمت كضحايا من كسب عيشها، التي يفوق أعدادها والأموال المفقودة بكل تأكيد "فتات" ما أنزل الله به من سلطان. وأي منطق آخر لا يقل اعوجاجا عن سابقه الذي يزعم؛ أن القبول بوظيفة وهمية حل مؤقت إلى أن يفوز "الواهم" بوظيفة حقيقية؟ يصفعه المنطق المستقيم، بالسؤال عن مصير مئات الآلاف من شبابنا وبناتنا المؤهلين علميا، بعد أن تمت إزاحتهم "وهميا" عن الفوز بفرص العمل الحقيقية والمجدية، وتمنح عيانا بيانا للقادمين من خارج الحدود، ثم يراد أن يفرح المواطن والمواطنة الباحثان عن عمل بوظائف هامشية وهما في بيوتهما، مقابل "فتات" راتب لا يسمن ولا يغني من جوع! في الوقت الذي حصد خلاله المتستر عليهم عشرات المليارات من الريالات، مقابل فتات مالي زهيد جدا فرح به المتسترون، حدث أن حرم المستثمرون والتجار من المواطنين والمواطنات نتيجة المنافسة غير العادلة، من اقتناص الفرص الاستثمارية المجدية التي أصبحت بالكامل في حيازة الوافدين المتستر عليهم! وحدث أن حرم على أثرها الاقتصاد الوطني عوائدها الضخمة، وعوضا عن تدويرها محليا في اقتصادنا، يتم تحويلها دون عودة "بتريليونات العملات الأجنبية" إلى خارج الحدود بمباركة المتورطين في جريمة التستر. وحدث أن حرم أيضا أفراد المجتمع الفوز بفرص العمل المجدية التي كانت ستنشأ عن استثمارها من المستثمرين المواطنين، والدخل الملائم المحتمل، ما أدى إلى استمرار معدل البطالة بمستوياته المرتفعة، وإلى هشاشة الأوضاع المعيشية والمادية لضحايا تلك الآفات الاقتصادية والاجتماعية. إننا في مواجهة تشوهات لا قبل لأي اقتصاد أو مجتمع حول العالم بها، تشوهات أوغلت بمخالبها الخطيرة في اقتصادنا ومجتمعنا طوال عقود طويلة مضت، دون وجود ما يردعها ويتصدى لها كما كان واجبا ولازما من سياسات وقرارات وإجراءات صارمة. وحينما نرى هذه الوثبة الرسمية والمجتمعية للتصدي الفعلي لها، فإنها تمتلك الحق الكامل للقيام بتلك الوثبة وما سيليها من وثبات جريئة قادمة، تستهدف بصورة مشروعة استعادة استقرار الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، الاستعادة التي قد يترتب عليها انقضاض بنيان مئات الآلاف من الكيانات أو أكثر، كيانات قامت على امتصاص خيرات البلاد والعباد، وعلى تقديم مصالح من هم خارج الحدود على مصالح من هم داخلها. تنوعت أدوات الاستعادة بين ضرب أشكال التستر التجاري كافة بكل قوة من جانب، ومن جانب آخر ضرب القبضة الوافدة على فرص العمل الكريمة. كل هذا سيؤدي في نهاية طريقه إلى توطين فرص الاستثمار المحلية كما يجب، وفتح المجال أمام نموها وتوسعها، وإلى نشوء مزيد من مئات الآلاف ككيانات وطنية صغيرة ومتوسطة الحجم، تختلف تماما طبيعتها وملكيتها وطريقة إدارتها عن عديد من تلك الكيانات الراهنة الآيلة للسقوط أو قد سقطت، التي يستغرب جدا تهويل ووعيد عديد من المختصين من آثار سقوطها؛ في وقت لم ينتج عن وجودها وتوسعها سوى زيادة امتصاص خيرات بلادنا واقتصادنا، وزيادة توافد العمالة غير السعودية علينا بملايين من البشر! ويستغرب أيضا تفتق أذهان عديد من أولئك المختصين والمهتمين، عن أن فرص العمل التي ستتحول أو تنشأ لمصلحة مئات الآلاف من العاطلين المواطنين، لن تتجاوز مجرد وظائف حرفية "سباك، حلاق، ... إلخ"، وهو ما يدين أصحاب تلك الآراء أكثر مما يخدم غاياتهم؛ حينما يتولون الدفاع عن "كيانات أعمال" أضر وجودها بالاقتصاد والمجتمع، وأن سقوطها يهدد الاستقرار الاقتصادي، ويضعف من نمو القطاع الخاص والاقتصاد، ويفاقم حسب زعمهم من معدلي التضخم والبطالة! إننا أمام تبريرات لا يمكن أن يستقيم لها حق بين، فعن أي كيانات هذه التي يستمات الدفاع عن توطين استثماراتها وفرص العمل فيها، ثم لا نجد منها إلا تلك المجالات والوظائف التي لا تسمن ولا تغني من جوع حسب زعم أولئك المقاومين لإجراءات الإصلاح والتطوير؟! إنه دفاع مزيف وقصير الحجة، يريد في حقيقة الأمر ودون الكشف عن مآربه الخفية والحقيقية؛ دفع الإصلاح والتطوير عن "منطقة رمادية" من بيئة الأعمال والقطاع الخاص، تلك "المنطقة الرمادية" التي ليست مصابة بالكامل كغيرها بالتستر التجاري، ولم تتورط أيضا بالكامل في وحل التوطين الوهمي، إنما استمدت وجودها وعافيتها بصورة شبه كاملة من استدامة التشوهات الراهنة في القطاع الخاص، وتعلم يقينا أن العمليات الراهنة للإصلاح والتطوير، سيترتب عليها إخراج بيئة الأعمال المحلية إلى شكل مختلف تماما عما هو قائم الآن! وهو ما يعني بدوره؛ أن كيانات "المنطقة الرمادية" قد تجد نفسها خارج المواقع التي اعتادت عليها، ولن تستطيع مطلقا التكيف مع النمط الجديد المستهدف تنصيب بيئة الأعمال المحلية ضمن حدوده، ووفق الاشتراطات والآليات التنظيمية الجديدة الصارمة، والمختلفة تماما عن سابق عهدها. خلاصة القول هنا؛ إن من تتوافر لديها القدرة من الكيانات الواقعة في "المنطقة الرمادية" بالقطاع الخاص على التكيف مع التطورات والمتغيرات الراهنة، فستجد أن فرصة الاستفادة والنمو والتوسع متاحة أمامها كغيرها من الكيانات الأخرى دون أدنى شك، أو أنها ستلحق غير مأسوف عليها بالكيانات البائدة. إن ولادة بيئة أعمال محلية حديثة، تقوم على منح الحق الكامل للمواطن والمواطنة في الاستثمار والتوظيف، وتسهيل كل الإجراءات والأدوات أمام تحقق هذا الهدف التنموي الاستراتيجي، وتسخير نتائجها الإيجابية في الاتجاه الذي يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني والمجتمع، تؤكد الإصلاحات الراهنة أنه طريق بدأته الدولة ممثلة في أجهزتها المختلفة، ولن تتأخر لحظة واحدة عن المضي قدما فيه، فمن أراد اللحاق به ــ القرار العملي والواقعي ــ فالمجال متاح أمامه على أوسع أبوابه، ومن أراد غير ذلك فلا خاسر أكبر من متخذ ذلك القرار، وخسارته عليه وحده! والله ولي التوفيق.
إنشرها