FINANCIAL TIMES

أسواق جنوب شرقي آسيا تتحسب لنوبة خوف جديدة

إذا تبين أن التقلبات الأخيرة في الأسواق العالمية هي أكثر من كونها شيئا عابرا، حينها ينبغي للاقتصادات الأكبر في جنوب شرقي آسيا أن تصبح قادرة على التكيف.
لا تزال أسواق الأسهم تبدو متوترة ويتوقع كثير من المحللين قدوم فترة من التقلبات، مصاحبة لحالة من عدم اليقين والتشكك حول سياسة أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ولا شك أن المستثمرين يستذكرون "نوبة من إلغاء برنامج التسهيل الكمي" التي حصلت في عام 2013 وأدت إلى عملية بيع استثارتها توقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي سينهي برنامج التسهيل الكمي لديه ويرفع أسعار الفائدة. وانخفضت حينها أسهم وسندات وعملات الأسواق الناشئة في الوقت الذي تم فيه نقل الأموال إلى أصول أكثر أمانا.
وشهدت كل من إندونيسيا وماليزيا وتايلاند والفلبين وفيتنام جميعا تدفقات رأسمالية خارجة خلال الفترة من بداية عام 2013 حتى منتصف العام، كما شهدت تراجعا في أسواق الأسهم والسندات والعملات. وبدرجات متفاوتة، أدى ذلك إلى إحداث ضرر دائم في الاقتصاد الكلي، وتعرضت إندونيسيا بشكل خاص إلى ضربة كبيرة في الوقت الذي عمل فيه تراجع الروبية على تسريع التضخم من خلال ارتفاع سعر الطاقة والسلع المستوردة.
وعلى الرغم من أن ديناميات نوبة الخوف من التراجع التدريجي تختلف عن التقلبات الحاصلة هذا الشهر في الأسهم، إلا أن الانهيار في الأسهم مرة أخرى قد يؤدي إلى استثارة عملية هروب من أصول الأسواق الناشئة. والترابط الكبير بين الأسواق العالمية يعني أن بورصات دول الآسيان الخمس ستتعرض للأذى فيما لو تراجعت مؤشرات العالم المتقدم مرة أخرى. مع ذلك، لا يزال محللو الأسهم ومديرو المحافظ الاستثمارية يشعرون بالتفاؤل.
الأساسيات الاقتصادية أقوى بكثير الآن مما كانت عليه في عام 2013. فباستثناء ماليزيا، عملت البلدان على زيادة ـ أو على الأقل تثبيت ـ استقرار احتياطاتها من العملات الأجنبية وأرصدة الحسابات الجارية مقابل المستويات الأقل التي وصلت إليها في عام 2013.
الاتجاه السائد في إندونيسيا، أكبر اقتصاد في دول آسيان، جدير بالذكر بصفة خاصة. فرغم العجز المستمر في الحساب الجاري، عملت إندونيسيا على زيادة احتياطاتها نحو 50 في المائة عن النقطة الأدنى التي وصلت إليها في عام 2013. وهذا يجعل من الأسهل على البنك المركزي الحفاظ على استقرار الروبية في حال حدوث تدفق كبير لرأس المال إلى الخارج. وشهدت جاكرتا أخيرا تحديثا وزيادة في تصنيفها الائتماني السيادي من قبل "إس آند بي"، وفيتش، ووكالة التصنيف الائتماني اليابانية، إلى حد كبير بسبب التحسن الذي شهدته ميزانيتها العمومية وآفاق الاقتصاد الكلي.
مع ذلك، وقياسا إلى الحجم، لا تزال إندونيسيا تمتلك أدنى مستوى من احتياطيات العملات الأجنبية بين اقتصادات دول آسيان الخمس؛ 12.4 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي مع اقتراب نهاية عام 2017.
والنمو الأقوى سيجعل دول آسيان أكثر مرونة مما كانت عليه في عام 2013. فقد ارتفع متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلدان الخمسة 4.8 في المائة في عام 2014 ليصل إلى 5.6 في المائة في عام 2017.
وتشير أحدث التوقعات التي قدمها بنك التنمية الآسيوي إلى أن النمو سيتسارع هذا العام في إندونيسيا والفلبين وتايلاند وفيتنام، وسيبقى مستقرا في ماليزيا.
وعلى الرغم من أن أسعار السندات والأسهم في تلك البلدان ارتفعت منذ عام 2013، إلا أنها شهدت فقط زيادات متواضعة في تدفقات المحافظ المالية، ما يشير إلى زيادة المشاركة من قبل المستثمرين المحليين.
وشهدت إندونيسيا صافي تدفقات كبيرة إلى الخارج. وقال إدوين سيبابانج، رئيس قسم البحوث في "إم إن سي سيكيوريتز"، وهي شركة استثمارات ووساطة مالية في جاكرتا، لقسم الأبحاث الخاصة في "فاينانشيال تايمز"، إن التقلبات العالمية هي بمنزلة "نعمة مقنعة" لأن "المستثمرين المحليين يحلون مكان المستثمرين الأجانب" في كل من أسواق الأسهم وأسواق السندات.
ولاحظ كيران كالدر، رئيس بحوث الأسهم الخاصة بآسيا لدى "يونيون بانكير بريفيه"، أن أسواق الآسيان "تقع إلى حد كبير تحت هيمنة المؤسسات المحلية بدلا من المستثمرين الإقليميين، الذين كانوا يسعون للحصول على عائدات أفضل في الهند والصين، ما جعل الآسيان أقل عرضة للتدفقات الإقليمية".
وتراجعت جميع عملات دول الآسيان الخمس منذ عام 2013، مع تراجع ضخم للروبية، والرينجيت، والبيزو.
وأصبح من المحتمل بشكل أقل أن تؤدي التقلبات في الأسواق العالمية إلى حدوث انخفاض حاد آخر في تلك العملات الثلاث، ولا سيما أنها الآن مدعومة بأساسيات اقتصادية أقوى من قبل.
في الوقت نفسه، تحدى البات التايلاندي الاتجاهات الإقليمية وخسر ما نسبته 5.7 في المائة فقط في الفترة نفسها. العملة مدعومة من خلال فوائض مستمرة في الحساب الجاري - بفضل تسارع الصادرات وواحدة من أفضل أسواق السياحة العشرة في العالم - ولا يبدو أن هناك مغالاة في قيمتها. في الواقع، يمكن وصف تايلاند بأنها بلد متلاعب بالعملة من قبل الولايات المتحدة بسبب إبقائها البات ضعيفا، وفقا لآخر تقرير صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية.
أما البلد الآخر الخارج عن المسار فهو فيتنام، التي تواصل إدارة عملتها من خلال آلية "ارتباط متباطئة جدا". فقد تراجع الدونج بشكل أقل من تراجع البات، رغم ضعف الدعم من الاقتصاد الكلي. ولدى فيتنام فائض أصغر وأقل ثباتا في الحساب الجاري مما لدى تايلاند، واحتياطيات أقل، وتضخم أكبر. وعلى الرغم من أن المصرف المركزي عمل على السيطرة على التضخم، وارتفعت الاحتياطيات الأجنبية بشكل مطرد منذ منتصف عام 2016، إلا أن وقوع صدمة تتعرض لها الأسواق المالية العالمية يمكن أن يرغم فيتنام على التقليل من قيمة الدونج بشكل كبير، أو التخفيف من الضوابط المفروضة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES