التغير الاجتماعي في القيم ما بين الأسرة والمؤسسات

|

التغير الاجتماعي سنة من السنن الكونية وعملية طبيعية، لا أقول تمر بها المجتمعات، بل تعيشها المجتمعات بصفة دائمة ومستمرة، فلا يوجد مجتمع دون تغير وتطور وتفاعل ثقافي مع المجتمعات الأخرى على سطح كوكبنا الأزرق، وإن حاول الثبات أو حاول إيقاف التغير أو إبطاء وتيرته، فإن المجتمع – أي مجتمع - سيعاني الموت البطيء أو العزلة، وسيُصاب بوعكات أو مشكلات يصعب التخلص منها فيما بعد، وربما يعيش على هامش التاريخ.
يشهد المجتمع السعودي– كغيره من المجتمعات - تغيرا اجتماعيا وثقافيا سريعا وواسعا يصعب على بعض الناس استيعابه أو فهمه. وما يهمنا في هذه المقالة ليس التغير الاجتماعي بوجه عام، وإنما التغير في السلوكيات التي تعكس القيم الاجتماعية، وهذا التغير الذي يشهده المجتمع يُؤسس لتحول في مسؤولية غرس القيم وتعزيزها من المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني إلى الأسرة، فلم تعد تلك هي مسؤولية المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني بشكل رئيس، بل أصبح الجزء الأكبر منها يقع على كاهل الأسرة. فليست مؤسسات المجتمع مسؤولة عن تهذيب تصرفات الأبناء والبنات، خاصة إذا لم تصل تلك السلوكيات إلى درجة إلحاق الضرر بحقوق الآخرين أو التأثير على الذوق العام وقيم الشارع الإسلامي أو تزعزع السلم الاجتماعي، عندئذ يضطر المجتمع – كما هو متوقع - إلى تطبيق العقوبات النظامية في حال الإخلال بالأنظمة سواء كانت مرورية أو اجتماعية أو جنائية. ومع هذا التغير، لا يزال بعض الناس ينتظر دور المؤسسات الرسمية في مراقبة الشارع وإلزام الناس بالالتزام بالقيم الإسلامية والاجتماعية.
وبناء عليه لا بد من القول إن التغير الاجتماعي لا يمكن أن يتوقف، وإن المسؤولية الكبرى في غرس القيم والمحافظة عليها تقع على كاهل الأسرة ثم على المدرسة، في حين تشارك المؤسسات الرسمية أو مؤسسات المجتمع المدني في المحافظة على الهوية الإسلامية والعربية.
ويتضح ضعف بعض القيم أو اختفاؤها أو تخلي بعض الناس عنها بسرعة عند غياب الجهات الرقابية، ما يكشف أن الالتزام بها ليس بقناعة تامة! لذلك ينبغي فهم التغير الاجتماعي الذي يمر به المجتمع والعالم، واستيعاب فكرة أن التغير أمر لا يمكن الوقوف أمامه، ولكن يمكن التكيف معه وتكييفه أو تطويعه من أجل الاستفادة منه بما لا يؤثر سلبا في قيم المجتمع ومكتسباته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية أو هويته الإسلامية والعربية، وذلك من خلال تحصين الأسرة والمجتمع وغرس القيم الإسلامية النبيلة في نفوس الناشئة من جهة، وتحديد الآليات التي تضبط آثار التغير الاجتماعي السريع وتحد من آثاره الجانبية أو التخفيف من حدتها من جهة أخرى.
وأخيرا فمن المعروف أن محفزات التغير الاجتماعي كثيرة، بعضها داخلية ترتبط بالتطور في متطلبات الحياة، أو السياسات العامة، وبعضها خارجية نتيجة التغيرات التي تشهدها المجتمعات الأخرى، خاصة مع زيادة التفاعل الثقافي من خلال التقنيات الحديثة التي أدت إلى انكماش المسافات وتقارب الثقافات.

إنشرها