سمعة الطبيب السعودي .. إلى أين؟

|
قبل أكثر من عشرات السنين "وأنا طفل" كنت أذهب إلى المستشفى العسكري في الرياض وأشاهد المستشفى مليئا بالأطباء الغربيين وكنت معجبا جدا بهيئتهم وأدائهم ويندر أن ترى طبيبا سعوديا بينهم وإن وجد فتجده مشغولا بالأمور الإدارية "مع وجود قلة من الأطباء السعوديين المتميزين في تخصصاتهم الطبية"، وخلال عشرات السنوات تشبعت مستشفياتنا بالأطباء السعوديين المتميزين الذين يحملون أعلى الشهادات الأمريكية والكندية والأوروبية بل حتى السعودية "حيث إن برامج التدريب السعودية للحصول على البورد السعودي في بعض التخصصات تضاهي الشهادات العالمية الأخرى ولله الحمد". وكسب الطبيب السعودي ثقة الجميع ولله الحمد ليس داخل السعودية وإنما حتى في كل الدول العربية، لذلك أصبح تفعيل الفيزة العلاجية مطلبا وضرورة ملحة لأن كثيرا من مرضى الدول العربية أصبحت وجهتهم إلى السعودية "صحيا". بل إن رؤساء دول أصبحوا يفضلون العلاج في السعودية، وقد شهدت مستشفياتنا علاجا لمسؤولين ورؤساء عرب كثر ولله الحمد. هذه مفخرة وطنية يجب التركيز عليها لأنها خدمة نوعية تصعب صناعتها لأن مصدرها الثقة. والثقة في المجال الصحي يصعب بناؤها لأنها تتطلب علما ومنشآت ومصداقية وأمانة علمية، وهي ولله الحمد موجودة في بلدنا "فيا فخرنا بمملكتنا". ولا ننسى أنها قد تكون مصدر دخل مادي للدولة مثل الدول المتقدمة. وانعكس هذا على ثقة المواطن بالطبيب السعودي وأصبح مطلوبا بالاسم لكني وبصراحة بدأت أقلق على هذا الصرح الصحي الشامخ أن يهتز والسبب هو كثرة كليات الطب "أكثر من 30 كلية طب في المملكة". والاستعجال بافتتاح كليات الطب في جميع أنحاء المملكة وهو مشروع تنموي رائع، لكن "ودون ذكر أي كلية معينة". هل فكرت وزارة التعليم في كيفية استقطاب كادر أكاديمي "متميز"؟ يقبل أن يسكن في مدن صغيرة قد لا يتوافر فيها أسهل متطلباته مثل تدريس أولاده في مدارس أجنبية وغيرها. مما اضطر تلك الكليات لاستقطاب كادر من بعض الدول العربية ضعيف المستوى واللغة ولك أن تتخيل مخرجات ذلك الكادر. كان الطبيب السعودي يتخرج في كلية الطب ويسافر لأمريكا أو كندا ويكون مثار إعجاب أساتذته في القسم حيث إتقانه للغة الإنجليزية وتميز علمه. المشكلة الثانية وهي أخطر أين سيتدرب هؤلاء الأطباء خلال فترة تدريبهم؟ فهل توجد مستشفيات جامعية حاضنة لهؤلاء الطلبة تدربهم وتصقل مواهبهم؟ الجواب: لا، هل تعرفون أين يتدربون؟ إنهم يتدربون في مستشفيات الصحة التي هي نسبيا متعثرة في تقديم الخدمة الصحية البسيطة ما اضطر كثيرا من سكان تلك المناطق للسفر إلى المدن الكبيرة للحصول على خدمة صحية متميزة. والسبب في هذا ضعف الإمكانات والكادر وسببه أن من يستقطب هؤلاء الأطباء من بعض الدول العربية ليس عنده أي إغراءات مادية ولا معنوية لاستقطابهم فالعقود متدنية نسبيا ولا يرضى بها إلا المتوسط أو الضعيف، أما النخبة فسترفض العقود. لك أن تتخيل أن هذا المستشفى المتعثر نسبيا في تقديم خدمة صحية أصبح في ليلة وضحاها مستشفى أكاديميا جامعيا يدرّب أبناءنا هم الذين تعثروا نسبيا في تقديم الخدمة الصحية، فكيف يكونون أساتذة جامعيين أكاديميين يدرّبون أبناءنا ليتخرّجوا أطباء؟ بصدق أنا قلق جدا من تدهور سمعة الطبيب السعودي ونزع الثقة منه بسبب استعجال وزارة التعليم العالي بنشر كليات الطب. وأعرف أنه تم تشكيل لجنة لتقييم كليات الطب ونحن بانتظار مخرجاتها.
إنشرها