الدور الريادي للسعودية في استقرار أسواق النفط

|
لعل أصعب الأسواق العالمية تحقيقا للتوازن هي السوق النفطية، فالعلاقات في السوق معقدة جدا ومتداخلة بما يشكل تحديا بذاته لأي اقتصاد، ولسنوات عانى اقتصاد المملكة من هذه الطبيعة الملازمة للسوق برغم قوته ومتانته. فمع ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة من العقد الماضي كانت الأسباب تراوح بين مشاكل في الإنتاج في عدة دول وزيادة قوية في نمو الاقتصاد العالمي خاصة في الشرق إضافة إلى تراجع حاد في سعر صرف الدولار في الأسواق العالمية، ثم عادت الأسعار وتراجعت بشدة فيما يشبه الانهيار. ومرة أخرى تداخلت الأسباب بين تعافي سعر صرف الدولار أمام العملات العالمية خاصة اليورو، إضافة إلى زيادة في الإنتاج العالمي حتى بلغت السوق حد التخمة وكان لا بد من إحداث توازن سريع، لكن كما هي حال هذه السوق بعض العوامل يمكن السيطرة عليها وبعضها خارج سيطرة أي دولة أو حتى مجموعة من الدول. لكن المملكة بذلت جهودا هائلة من أجل تصحيح مستويات الإنتاج وتحملت وحدها عبء قيادة التوازن العالمي وقد نجحت بشكل مذهل. وفي هذا الجانب أصدرت وحدة التقارير الاقتصادية تقريرا عن الإنتاج النفطي في المملكة الذي وصل إلى 3.63 مليار برميل من النفط خلال العام الماضي 2017، بمتوسط إنتاج يومي 9.95 مليون برميل يوميا، وبذلك فقد تراجع الإنتاج بنحو 5 في المائة، لينخفض الإنتاج السنوي بنحو 196.2 مليون برميل، فيما انخفض متوسط الإنتاج اليومي بنحو 510 آلاف برميل. هذا التراجع في إنتاج المملكة يأتي نتيجة لالتزامها باتفاقية منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، لخفض الإنتاج، التي تشمل أعضاء في "أوبك" ومنتجين مستقلين. لقد كان هذا الالتزام بالتخفيض واستعادة الثقة بين المنتجين سببا في عودة الأسعار إلى الارتفاع حتى تجاوزت 70 دولارا، لكن مشكلة السوق أعقد من مجرد تخفيض إنتاج كما قلنا، فالأسعار عادت للتراجع بحدة حتى كسرت حاجز 60 دولارا، والتأثيرات على ذلك تغلبت على تأثير التخفيض في الإنتاج وتأثرت بانخفاض الطلب وكذلك عودة الدولار إلى مستويات سعرية أعلى، كما أن الشتاء لهذا العام لم يكن له ذلك التأثير القوي على الطلب كما كان متوقعا، ومع ذلك كله فإن المملكة ما زالت رمانة التوازن العالمي. فمع تطبيق اتفاقية تخفيض الإنتاج منذ مطلع 2017، فقد خفضت المملكة إنتاجها بأكثر من الملتزم به في الاتفاقية، ذلك أن نصيب المملكة من التخفيض حسب اتفاقية الخفض كان نحو 438 ألف برميل يوميا، لكن المملكة والتزاما منها بحفظ توازن السوق وبث روح من الثقة فقد خفضت إنتاجها بنحو 510 آلاف برميل يوميا خلال العام الماضي، لكن المسألة ليست مجرد بث الثقة، فالسوق تحتاج إلى التغلب على تأثير العوامل الأخرى جميعا، فزيادة التخفيض في الإنتاج تساعد الأسعار على تجنب تأثير تقلبات سعر صرف الدولار والتغيرات في الطلب الناتجة من تغير الفصول، فالمملكة تحملت هذه المسؤولية لهذا زادت التخفيض على المستويات التي تقتضيها الاتفاقية، وهذا العبء الضخم يمثل ضغطا بذاته على المملكة من أجل تخفيض الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل، ذلك أن مثل هذا الإجراء بالتخفيض يفقد المملكة إيرادات هي في أمس الحاجة إليها، لكن توازن السوق النفطية على المدى الطويل يمثل أهمية استراتيجية للاقتصاد في هذه المرحلة، وتكلفة هذا التوازن قليلة إذا ما قيست بالتخفيض الإضافي الاختياري الذي تقوم به المملكة مقارنة بأهمية هذا التوازن للاقتصاد العالمي ولدور المملكة الأساس فيه.
إنشرها