أخبار اقتصادية- محلية

«لا يصلح العطار ما أفسد الدهر» .. «تجارة الوهم» تزدهر دون رقابة

«لا يصلح العطار ما أفسد الدهر».. هكذا واقع الحال لمهنة العطارة الممتدة منذ نحو 2600 عام (ظهرت هذه المهنة للمرة الأولى في لوحين سومريين تضمنا وصفات طبية)، إذ باتت تستغل عديدا من الواهمين الحالمين بعلاج يخفف الوزن، أو يطيل الشعر، أو يعالج أمراضا مزمنة، لكن المفارقة أن غالبية الزبائن الذين باتوا ضحايا «تجارة الوهم» مستمرين في أخذ هذه الوصفات طوال فترات تراوح من عام إلى عشرة أعوام، ووسط غياب للجهات الرقابية.
وبعد أن كان للعرب السبق في تطوير هذه المهنة التي شغلها في العصور الماضية، وعند بعض الأمم، المشعوذون والدجالون، بقصرها على الصيادلة تحديدا في العصر العباسي عام 750م، بيد أن الواقع العربي الحالي – الذي تجسد السوق السعودية صورة منه، بات يسمح لكل من هب ودب أن يخوض غمار هذه المهنة الحساسة والخطيرة على صحة الإنسان. 
ورصدت «الاقتصادية» في جولة ميدانيـة على سوق المعيقلية في حي الديرة (جنوبي الرياض) خبايا وتفاصيل ذلك القطاع المؤثر في الاقتصاد الوطني للمملكة، وفي هذا التحقيق نجيب لكم عن بعض التساؤلات المتعلقة بتجارة العطارة، ومدى وعي المستهلك بها وبأضرار بعض التركيبات والأعشاب، والتضليل الذي يمارس عليه، ودخل العطارين من تلك التجارة.

مررنا بأحد محال العطارة، وتظاهرنا بأننا بحاجة إلى خلطات شعبية لعلاج تساقط الشعر، فقام البائع بتحضير خلطة عشبية، سألناه كيف نضمنها؟ فكان رده الذي يضلل به عادة المستهلكين "الخلطة العشبية مثل النخلة إذا سقيتها بالماء تنبت"، موجها باستخدامها كل ثماني ساعات على فروة الشعر للحفاظ عليه من التساقط.
ورغم تحذيرات الأطباء من “تسونامي” الوصفات التي يطلقها العطارون لزبائنهم دون استثناء طبي موثوق، بيد أنه لا تخلو بعض الوصفات من طوق نجاة لبعض الزبائن الذين يميلون لتسميته بالطب البديل.
ويرى إبراهيم السعدي – أحد الزبائن-، أن الأعشاب الطبيعية أضرارها أقل من المركبات الصناعية الموجودة في الصيدليات، موضحا أنه يستخدمها بكل راحة ولا يرى فيها أضرارا مستقبلية، حيث إن الأدوية المركبة من مواد كيميائية هي التي تسبب للجسم أعراضا جانبية بحسب كلامه.
وأوضح أنه يستخدم خلطات الأعشاب منذ عشر سنوات، مشيرا إلى أهم الأسماء التي يستخدمه مثل "حفص، مسمار، ملوخية، حديدية، وقشر الرمان"، التي يرى فيها أنها قد تنهي الأضرار الصحية وتسهم في الشفاء.
بدوره، قال أحد ملاك محال العطارة إن الخلطات العشبية ليس لها ضرر على صحة الإنسان، مضيفا: "ما عندنا شيء في سوق العطارة ما يصلح" أو قد يسبب ضررا للمستهلك.

الجهات الحكومية
قال لـ"الاقتصادية" عبد الرحمن الحسين المتحدث الرسمي باسم وزارة التجارة والاستثمار، إن السجلات التجارية للمنشآت العاملة بنشاط العطارة بلغ عددها 8022 سجلا تجاريا، إلى منتصف شهر ربيع الثاني 1439هـ.

الدخل السنوي لسوق العطارة
وعند دخولك إلى سوق المعيقلية التي كانت تتوسط الرياض وباتت مع التوسع الجغرافي الجاري تميل إلى الجنوب، وتعد من أشهر الأسواق الشعبية والتراثية في الرياض، تجد روائح الأعشاب والحناء والحبوب والأبخرة في أرجاء المكان تقود حاسة الشم لديك إلى المحال المنتشرة في أرجاء المعيقلية المتفرعة إلى أربعة أقسام. 
أوضح محمد الدين أحد بائعي محال العطارة، أن الكثافة السكانية في المملكة لها دور مهم في الدخل السنوي لسوق العطارة، مبينا أن الزيادة في بعض المنتجات أو الخلطات الشعبية تتنوع في "كريمات الشعر، مراهم الحساسية، دهان البشرة"، التي ارتفعت خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة 25 في المائة. 
وبين أن الخلطات العشبية يتم حسابها بالجرام في محال العطارة، وتبدأ أسعارها من 60 ريالا حتى 140 ريالا، موضحا أن الورقيات هي الأكثر سعرا للخلطات العشبية في سوق العطارة، التي تبدأ من 80 ريالا حتى 150 ريالا وتتضمن (قشر الرمان، الشبك، الحديدية، خاوا جاوا). 
وأشار إلى أن بعض المحال تقنع بعض المستهلكين بأن فائدة التركيبات والأعشاب تصل إلى 90 في المائة، كما يتظاهرون بعلمهم في الطب ما يجعل الزبائن يقتنعون به أكثر.

«الغذاء والدواء» تصمت!
وحاولت «الاقتصادية» الاستفسار من الهيئة العامة للغذاء والدواء عن وضع محال العطارة والرقابة المفروضة عليها بإرسالها عبر "أيقونة" المتحدث الرسمي بموقع الهيئة – بحسب طلب ممثليها في العلاقات العامة والإعلام، بيد أنها لم تتجاوب مع تلك الاستفسارات المرسلة منذ أسبوعين. 
وكانت هيئة الغذاء والدواء أوضحت في بيان سابق لها، أن من أسباب خطورة الخلطات العشبية التي تتضمن "مواد سامة التلوث، سوء التخزين، المعادن الثقيلة، إضافة مواد كيميائية، مبيدات حشرية"، ويهدف تحذير الغذاء والدواء إلى رفع الوعي المجتمعي بمخاطر الخلطات العشبية مجهولة المصدر والتركيب.

أشهر البائعين في سوق العطارة
وبين محمد الدين أن أشهر بائعي سوق العطارة في الرياض هم "المشيقح، الحسين، الزهراني، البركة"، مبينا أنهم من أكبر التجار في سوق العطارة للجملة، حيث يعمل البعض منهم في العطارة من 30 عاما، ومتمكنين في التركيبات والخلطات العشبية.

نوعية الخلطات العشبية ومصدرها
وقال عبد الله الحسين أحد تجار محال العطارة، إن الخلطات والتركيبات العشبية تتضمن أنواعا كثيرة منها (قشر الرمان، بذر كتان، الصمغ العربي، الحديدية، زيت النخل، حفص، ملوخية، مسمار، الورقيات، عصفر، زيت زيتون).
وبين الحسين، أن ضمانة تخزين المنتج لسلامة المستهلكين من الخطوات الأكثر أهمية، موضحا أن الورقيات لا تحتاج إلى تخزين لفترة طويلة، وذلك بزعم أن المستودع عليه رقابة عالية والمنتج نفسه لا يستمر أكثر من أسبوع في المستودع وهذه ترجع لذمة المالك.
 وأشار إلى أن المنتجات والخلطات الموجودة في محال العطارة بالجملة أو الجرام يقومون بتوزيعها على "القطاعين" بفترة قصيرة وذلك لسلامتها من التلوث والأتربة وحرارة الشمس.

الأكثر استهلاكا من الرجال والنساء.
من جهته قال محمود الطلاسي بائع في أحد محال العطارة، إن النساء هن الأكثر استخداما لخلطات الأعشاب، حيث يأتي الكثير من النساء لطلب التركيبات والخلطات الشعبية بغرض "تساقط الشعر، وجروح الجلدية، وأورام الجسم"، حيث إن النساء يتعاملن مع سوق العطارة منذ زمن، بزعم أن لديهن الخبرة الكافية لشراء احتياجاتهن من العطارة، بعكس الرجال الذين يمثلون النسبة الأقل. 
وبين الطلاسي أن الكمية المستخدمة دائما من المستهلكين للخلطات العشبية تراوح ما بين 100 جرام، 50 جراما، 30 جراما، حيث إن المستهلكين يفضلون شراء الخلطات العشبية بالجرام بدلا من الجملة.
يذكر أنه مع توسع مهنة العطارة واستفادة الناس منها أقيمت في المدن القديمة أماكن خاصة وأصبحت تمثل أسواق عطارة، ففي المملكة نجد سوق المعيقلية في حي الديرة جنوب العاصمة الرياض التي تعد من أشهر المراكز التجارية في الرياض، حيث تلبي السوق جميع احتياجات المواطنين والسائحين أيضا.
 ونكاد لا نجد مدينة عربية قديمة إلا وفيها زوايا خاصة يتركز فيها دكاكين العطارين ففي مدينة القدس مثلا تشتهر سوق العطارين التي تحمل تاريخا عريقا، وفي مدينة بيروت كذلك لا يوجد أشهر من سوق العطارين وفي مصر بمدينة الإسكندرية يشتهر حي العطارين وفي دمشق يشتهر عطارو سوق الحميدية، وفي اليمن بمدينة صنعاء القديمة تدهشك تلك السوق ذات الزقاق الضيق الذي ينتشر على جوانبه دكاكين وحوانيت العطارة الصغيرة ذات الأبواب الخشبية الجميلة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية