المماطلة كمدخل للإبداع

|
تناول آدم قرانت في كتابه Originals مسألة الإبداع بطريقة مختلفة عن العادة. تحدث فيها عن تجاربه الشخصية مع المبدعين ودعمها بالدراسة عن جوانب مهمة تصنع الأصالة في التفكير والسلوك والإنتاج. لفت انتباهي تناوله لمسألة المماطلة الذاتية، أو التلكؤ، كمدخل للإبداع ومصدر للأصالة. وهذا عجيب، إذ إنه دائما ما ترتبط المماطلة والتسويف والتلكؤ بالكسل والفشل، وهي في كثير من أدبيات النجاح عدو الإنتاجية الأكبر. في الكتاب عديد من الأفكار الجيدة التي تكمل الأعمال المشهورة الأخرى التي تتحدث عن سياقات الإبداع والإنتاجية، وفيه من الطروحات المختلفة والأصيلة الشيء الكثير. سأقف عند بعضها في هذا المقال. لا يتحدث قرانت عن المماطلة كممارسة للكسل أو ضعف للهمة أو كتطبيق للتسويف والهرب من مواجهة المشكلات والمتطلبات، كلا هو يتعامل مع الأمر وكأنه تأخير منضبط يتم التحكم به بشكل معين حتى يخدم الجهد الذي نؤدي به أعمالنا بشكل أفضل. أي عمليا إدارة أفضل للتوقيت والمواءمة بين الجهد والنتيجة. لذلك يتحدث عما يسميه التلكؤ الاستراتيجي، الذي يتجنب فيه الشخص المسارعة بالحكم على الأفكار أو حتى بتدعيم الأفكار بغيرها، حتى تصبح في وقت ما قابلة للتطبيق بشكل ناجح. وهذا يشبه السلوك المهم الذي يعرفه الكُتّاب بشكل جيد، وهو الابتعاد عن المادة التي تمت كتابتها لبعض الوقت، ودائما ما تكون العودة لما كتب مختلفة عن لحظة الكتابة، سواء بملاحظات جديدة أو حتى وجهة نظر جديدة بالكامل. معظم المبدعين في مجالاتهم يقومون بسلوكيات مشابهة، بعضهم يحتفظ بنسخ من كل مرحلة إبداعية وبعضهم يتخلص منها. المميز هنا، والمهم كذلك، أن وجهة النظر الجديدة هذه بنيت على وجهات النظر السابقة لها، فهي ليست تدميرا لما تم الوصول إليه، وإنما استكمال وتطوير لرؤى وأحكام مبنية على خبرات ومعارف متراكمة. وهكذا يعود التلكؤ عند المبدعين بفوائد كثيرة، منها تحرير خصائص غائبة أو اكتشاف جوانب جديدة للفكرة أو العمل الذي يتم تنفيذه. في تجربة بحثية قدم المماطلون مواد أكثر إبداعا من الآخرين، وذلك لأنهم استطاعوا الحصول على الطاقة والوقت للتفكير بشكل حر. الوقت منحهم حرية التفكير بأساليب مختلفة تماما لتقديم العمل المطلوب، ومن لم يُمنح الوقت اضطر لتقديم العمل المطلوب بأفضل شكل ممكن ضمن الوقت الذي أتيح له، في نهاية الأمر سيخرج بتحسينات محدودة وفي نطاق ضيق. من جانب آخر، من المهم التنبه إلى مسألة الرغبة، فالمماطلة المقصودة تحصل بالنية والتصميم والتلكؤ يحدث تخطيطا لتقديم العمل بشكل أفضل، وليس كسلا أو تهربا من العمل المطلوب. يتباكى كثيرون على فقدان الريادة في مجال ما ويبالغ آخرون بالاحتفاء بالمراكز الأولى، بينما هناك ما يثبت أن المتأخرين أفضل نصيبا من الأوائل. هذا الأمر يتحقق بشكل واضح في الأعمال التي تتطلب قدرا من الأصالة والإبداع. شركة مثل "جوجل" تفوقت في وقت متأخر على "ياهو" وأخواتها. يوضح قرانت ذلك بكثير من الأمثلة، ويعود بالفكرة إلى التفريق بين المبتكرين الذين يعتمدون على النظرية، وهم في العادة الأوائل، والمبتكرين الذي يعتمدون على التجارب، وهم الماراثونيون المتأخرون الذي يتفوقون في النهاية. يتميز المبتكرون الذين يعتمدون على التجارب بمهارة التعلم من تجارب الآخرين، والصبر على التطوير لفترات مطولة. الميزة النوعية هنا أن الذي يتحكم في الوقت بشكل أفضل يحصل على استدامة أفضل، والنجاح السريع كما هو معروف قصير العمر. يتحدث قرانت في كتابه عن أمور أخرى مختلفة تكمل مبادئ أصالة التفكير وأصالة السلوك التي يتحدث عنها. منها على سبيل المثال أسلوب إدارة المخاطر، وكيف أن بعضهم لديه أسلوب مختلف في التحرز يظهره بشكل متحفظ، ولكنه ينجح في أعماله الإبداعية على عكس المعتقد السائد أن المبدع مخاطر في الأساس. ويذكر كذلك كيف أن الحدس "الناجح" يقوم على الخبرات المبنية في بيئة قابلة للتنبؤ. ويثير الحديث عن التفكير الجماعي ومخاطره، وكيف أن بعض سلوكيات فرق العمل التي يفترض أن تكون إيجابية تتحول إلى مصائد للتوافق السلبي المضر الذي يقتل الإبداع ويدمر مداخل الأصالة.
إنشرها