حلقة مفرغة بين التضخم والدولار الضعيف

|
لسنوات عديدة، بعد حصول الكساد نتيجة أزمة الائتمان العالمية في عام 2009، كانت الحكومات والبنوك المركزية تركز على تحفيز التضخم خوفا من الوقوع في فخ الدوامة الانكماشية. واستمر الحال كذلك حتى الشهر الماضي، وفجأة، انقلب الحال بين ليلة وضحاها مع انهيار مؤشر "الداو" بأكثر من ألف نقطة، حيث ألقى الشارع الاقتصادي باللائمة على أرقام قوية للتضخم وزيادة غير متوقعة في متوسط الأجور في أمريكا، فهل هذه المخاوف مبررة؟ ليست بالضرورة، ولكن وجودها سيعمل على الضغط بشكل كبير على الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة. فكل المؤشرات تقول إن الاقتصاد الأمريكي أكمل مرحلة التعافي، بل إنه عاد ليقود قاطرة نمو الاقتصاد العالمي بحسب تصريحات صندوق النقد الدولي. ماذا يعني لنا كل ذلك؟ ترابط أسواق المال حول العالم أصبح حقيقة مؤكدة، فكل أسواق الأسهم تداعت للهبوط القوي في السوق الأمريكية. ولكن الأمر الأخطر من ذلك هو إمكانية حصول أزمة اقتصادية عالمية جديدة. فحجم الدين العام الأمريكي الذي قارب مبلغ 21 تريليون دولار بات يفوق إجمالي الناتج المحلي. هذه ليست بسابقة، فهناك دول يفوق دينها العام ناتجها المحلي عدة مرات، ولكن الولايات المتحدة تعتمد بشكل أساسي على تحفيز الاقتصاد عن طريق زيادة الإنفاق وخفض الضرائب. الأمر الذي سيعمل على زيادة استدانة الولايات المتحدة لتمويل هذا التوجه. رفع أسعار الفائدة سيعمل على تقويض هذه السياسة التوسعية. فالدين العام الأمريكي في معظمه قصير الأجل، وبالتالي سيتعين على أمريكا إعادة تمويله بتكاليف أعلى. وكذلك لم يكن لخدمة الدين العام أي أثر يذكر في الميزانيات التي تلت مرحلة أزمة الائتمان العالمي لأن أسعار الفائدة كانت صفرية. كل ذلك يتغير اليوم بسبب التضخم، ذلك المرغوب المرهوب. ففضلا عن الفوائد العالية التي ستكلف الحكومة الأمريكية، فإن تكلفة الإقراض سترتفع بشكل يحد من قدرة القطاع الخاص على دعم النمو الاقتصادي. أحد الأسباب الرئيسة وراء المخاوف من التضخم هو استمرار تدهور سعر صرف الدولار أمام بقية العملات. قد يبدو لأول وهلة أن انخفاض الدولار يصب في مصلحة الاقتصاد الأمريكي، فهو يخفض من تكلفة الصادرات. إلا أنه في الوقت نفسه يعمل على إضعاف القوة الشرائية للاقتصاد الأمريكي ويرفع من تكلفة الواردات إضافة إلى الحد من آفاق تدفق الاستثمارات إلى الولايات المتحدة. اعتماد سياسة الدولار الضعيف يعمل على رفع أسعار السلع على مستوى العالم، فوصول أسعار النفط إلى أكثر من 70 دولارا بدايات هذا العام لم ينتج عن سياسات "أوبك" فقط. ولذلك فإن على الولايات المتحدة أن تسعى لتحمل المسؤولية وتقوية الدولار بدلا من البحث عن تحقيق ربح سريع. فجودة المنتج يجب أن تكون هي المحدد الأهم بدلا من تنافسية سعره عند التصدير. هذا النموذج يمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على موقعها الريادي اقتصاديا، ولكن سيكون ذلك على حساب تحقيق أرقام نمو مبهرة.
إنشرها