ثقافة وفنون

المهرجانات الثقافية السعودية .. بوابة الباحثين عن الرزق

يطل هذه الأيام علينا مهرجان عريق، في نسخته الثانية والثلاثين، الذي ينطلق في كل عام معلناً فتح أبواب الرزق لكثيرين من العاملين والحرفيين والمهنيين والأسر المنتجة، وصولاً إلى الفنادق ووحدات الشقق المفروشة في العاصمة.. إنه المهرجان الوطني للتراث والثقافة في الجنادرية.

إشغال فندقي 60 %
منذ أن بدأ مهرجان الجنادرية في عام 1985م، وأسست له وزارة الحرس الوطني، وهو يمنح الفرصة لآلاف من المواطنين للاستفادة من الحراك الاقتصادي الذي يولده، بدءاً من الوظائف المؤقتة التي يوجدها، إضافة إلى استفادة الحرفيين والمهنيين والعاملين فيه، دون أن ننسى الأسر المنتجة، ووسائل النقل المختلفة، وحتى الفنادق ووحدات الشقق المفروشة، التي حققت بدورها إشغالاً عالياً هذه الأيام.
بحسب جولة أجرتها "الاقتصادية" على عدد من الفنادق بمختلف فئاتها، ووحدات الشقق المفروشة، فإن متوسط الإشغال الفندقي وصل إلى نحو 50 في المائة، فيما أعلنت بعض الفنادق الإشغال الكامل، وعدم وجود غرف شاغرة، في حين يتوقع أن تزيد النسبة خلال الأيام المقبلة، بالتزامن مع تمديد فترة المهرجان إلى 21 يوماً، عوضاً عن أسبوعين في الدورات السابقة.

مواهب وعوائد
يضج مهرجان الجنادرية بالمواهب والأفكار، ففي زيارة لـ "الاقتصادية"، تم تسجيل عشرات الحرف والمنتجات، مثل المشغولات اليدوية، وصناعة الملابس التراثية كالبشوت والأثواب، وإعداد المأكولات التراثية مثل الجريش والقرصان واليغمش والمنتو والمطبق والكليجا وغيرها، والمقتنيات القديمة، وألعاب الأطفال، وفنون متنوعة من الرسم على الخشب، والنحت، والرسم بالقهوة والحناء والمواد المختلفة، ومنتجات الخوص والسدو، واللوحات التشكيلية، ومنتجات متنوعة أنتجت تحت شعار "صنع في السعودية".
ولا تقتصر العوائد المجدية على الباعة داخل أسوار "الجنادرية"، فحتى سيارات الأجرة وتطبيقات التنقل نالت نصيباً من كعكة المهرجان، التي توفر رحلات نقل إلى الجنادرية بأسعار مخفضة، إضافة إلى شركات الطيران والمطاعم والخدمات الأخرى.

تمكين المرأة السعودية
تبرهن المرأة السعودية في كل مرة قدرتها على أن تكون عضواً فاعلاً في المجتمع، وتحقيقها إنجازات مختلفة، والقدرة على إثبات نفسها.
ففي جولة "الاقتصادية"، التقينا أسمهان، فتاة سعودية ترسم لوحات فنية باستخدام القهوة ومواد رملية، واستطاعت أن تحقق دخلاً جيداً، إذ تبيع اللوحة الواحدة بمبلغ لا يقل عن 100 ريال، وتصل في بعض الأحيان إلى 500 و 1000 ريال بحسب الحجم ونوع القهوة المستخدمة، وكشفت أن هذه مشاركتها الأولى في الجنادرية، واستطاعت من خلالها أن تحقق عوائد اقتصادية مجدية، كما أنها عدّت هذه المناسبة مكسباً للتعريف بأعمالها، وبالتالي استمرار عملية البيع حتى ما بعد المهرجان.
فيما كشفت أفنان، وهي فتاة اختارت أن تبيع الكليجا ومعمول التمر في المهرجان، أنها تحقق دخلاً يومياً لا يقل عن 1000 ريال، وقد تبنتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في دورات سابقة، واليوم أصبح لديها زوار دائمون، وأصبحت منتجاتها تنفذ أولاً بأول، وتشارك في فعاليات ومهرجانات سياحية باستمرار، تدر لها دخلاً جيداً، يمكنها من مواجهة مصاعب الحياة، والإنفاق على عائلتها المكونة من ستة أفراد.
أركان أخرى خاصة بالمرأة احتضنتها قرية الجنادرية، منها الركن الكبير الذي هيأته وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لعرض منتجات الأسر المستثمرة من المنزل، تحت عنوان "الاستثمار من المنزل"، ويحتوي على 23 ركناً لعرض منتجات الأسر، وتنوعت ما بين الأطعمة والملابس التراثية والمنتجات الصغيرة وألعاب الأطفال ومستلزمات الأسرة وغيرها.
وتحتاج الأسر المشاركة في ركن وزارة العمل إلى أن تتجاوز معايير عدة للمشاركة، منها أن تكون المشاركة الأولى للأسرة في المهرجان، وأن يكون المنتج بأيد سعودية 100 في المائة دون مشاركة العمالة الأجنبية في صناعة المنتج، إضافة إلى أنه الدخل الأساسي للأسرة.

إحصائيات متقاطعة
على نحو آخر، يشير تقرير للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني إلى أن الفترة من عام 2005م حتى 2016م شهدت إقامة 730 مهرجاناً منوعاً، استقبلت أكثر من 85 مليون زائر، وتجاوز عدد السياح منهم 28 مليون زائر، وحققت المهرجانات خلال هذه الفترة عوائد اقتصادية تجاوزت ثمانية مليارات ريال، ووفرت أكثر من 86 ألف فرصة عمل مؤقتة، 70 في المائة منها للشباب، إضافة إلى المعارض التي تشارك فيها الأسر ببيع منتجاتها، دون أن تكشف الهيئة عن الآلية والمعايير أو المجالات التي عادت بهذه المليارات الثمانية.
فيما تشير إحصائية أخرى لمسؤول في رالي حائل الدولي إلى أن المنطقة استفادت خلال الأعوام من 2012م حتى 2015م من توافد أكثر من مليوني زائر لكل الفعاليات التي تقام في المنطقة، وعوائد اقتصادية تجاوزت 2.5 مليار ريال على اقتصاديات المنطقة من تنظيم المهرجانات والفعاليات في المنطقة، توزع إنفاقها حسب إحصاءات مركز الإحصاءات السياحية "ماس" على النقل والسكن والأكل والخدمات الأخرى.
وتشير الإحصائيتان السابقتان، اللتان تشيران إلى أهمية اقتصاديات المهرجانات، إلى تقاطع في الفترة الزمنية التي تمثلها، وإن صحت، فتعني أن نحو ثلث عوائد المهرجانات السياحية هو من نصيب منطقة حائل، فيما لا يزال يقع على عاتق مركز "ماس" تفعيل الدراسات التي تتعلق بالجدوى الاقتصادية للمهرجانات، وربما توقيع اتفاقية إقامة كراسي جامعية بحثية من أجل دراسة اقتصاديات المهرجانات وتعظيم الاستفادة منها.

غياب الإحصائيات
وسط غياب للإحصائيات الرسمية حول العوائد الاقتصادية لمهرجان الجنادرية، التي تفتح مصدر رزق لآلاف سنوياً، وتنشط الدورة الاقتصادية، وتبث حراكاً اقتصادياً في مفاصل التجارة المختلفة، هناك تقديرات غير رسمية تشير إلى أن حركة البيع والشراء داخل المهرجان تبلغ نحو مائتي مليون ريال.
وتثبت الأرقام على اختلاف تقديراتها كيف أن للثقافة، وبشكل خاص المهرجانات السياحية والثقافية، أن تكون نشاطاً اقتصادياً واعداً، من حيث تحقيقها عوائد استثمارية عالية، وتوفير آلاف الفرص الوظيفية الموسمية والمؤقتة والدائمة للشباب السعودي، وقدرتها على استقطاب الاستثمارات الضخمة، فضلاً عن الأثر الاجتماعي الذي تحدثه هذه المهرجانات في حياة كثيرين، وهو أثر لا يقاس أو يثمّن.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون