ثقافة وفنون

الفهد الأسود .. لا لون للبطولة أو جنسا

في وقت تتعالى فيه الأصوات متهمة هوليوود بالعنصرية من خلال تهميشها الممثلين السود والملوّنين وتركيزهم على ذوي البشرة البيضاء، جاء فيلم "بلاك بانتر" محاولة ذكية من شركة ‏"مارفيل" لتغيير تلك الصورة النمطية عبر إطلاق أول فيلم لبطل خارق رئيسي من البشرة السوداء، بل أكثر من ذلك، جمعت الشركة أكبر عدد من الممثلين السود كشخصيات رئيسية في الفيلم، ما حدا بميشيل أوباما، زوجة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، إلى تهنئة أبطال الفيلم المتربع حالياً على شباك التذاكر الأمريكية، فعبرت في تغريدة على حسابها في موقع "تويتر" قائلة "الشباب سيرون أخيراً الأبطال الخارقين الذين يبدون مثلهم على الشاشة الكبيرة. أحببت هذا الفيلم وأنا أعلم أنه سيلهم الناس من جميع الخلفيات لحفر عميقة والعثور على الشجاعة لتكون أبطال قصصهم الخاصة".
على الرغم من أنه ليس أول فيلم سينمائي لبطل من ذوي البشرة السمراء، فقد سبق لـ "مارفل" أن قدمت في أفلامها عديدا من الأبطال ذوي البشرة السمراء مثل بليد وستورم وفالكون، وحتى شخصية "لوبو" من عالم "دي سي كوميكس"، إلا أنّ هذه الشخصيات لم تمثل شخصية البطل الخارق الرئيسية مثل سوبر مان أو بات مان أو كابتين أميركا، الذين هم دوما من ذوي البشرة البيضاء.
 
هبوط نيزك على «واكاندا»

يأتي فيلم بلاك بانثر، الذي تشارك في إنتاجه كذلك شركة ديزني، بعد سلسلة طويلة من الانتقادات التي استمرت لسنوات للتمثيل المنخفض للسود في أفلام هوليوود، ومستكملاً بذلك بعد الظهور الأول المميز لشخصية ‏بلاك بانثر‏ في فيلم‏Captain America: Civil War‏. ويتمحور الفيلم حول شخصية تشالا، الذي يلعب دوره الممثل تشادويك بوسمان، بعد وفاة والده وبدء سيطرته على مملكة خيالية ومتطورة تكنولوجيا في إفريقيا تدعى واكاندا، حيث يواجه تحديات من فصائل داخل البلاد.
كسائر الأبطال الخارقين، لا بد من مصدر غريب لقوته، فحصل تشالا، على قوة "الفهد الأسود" من ورقة على شكل قلب تنمو فقط في "واكاندا"، ويقال إنّها هدية من Panther God، يعزز من قدراته البدنية والعقلية والجسدية، ولا يمكن لأي فرد من أهل "واكاندا" أن يأكل من هذا العشب وإلا فسيموت، لكن في الواقع تبين أنّه نبات مُحوّر جينيًا بفضل خصائص وميزة معدن الفيبرانيوم الموجود في منطقة "واكاندا"، أما مصدر الفيبرانيوم فيعود إلى نيزك هبط إلى "واكاندا"، وهو نفس المعدن المصنوعة منه درع كابتن أمريكا المنيع، ونادرًا ما يُسمح للغرباء بالدخول إلى "واكاندا" ليشهدوا العجائب السرية فيها.

خلافة العرش

يروي الفيلم ‎الأحداث التي يتعرض لها "تشالا" بعد وفاة والده، ملك واكاندا، حيث يعود إلى موطنه لخلافة العرش والحصول على حقه الشرعي في أن يصبح الملك، لكن عند ظهور عدو قديم قوي مرة أخرى، ‏يواجه تشالا، اختبارًا لقدرته على أن يصبح ملكًا عند إقحامه في صراع هائل يضع مصير واكاندا والعالم بأسره في ‏خطر. فما كان من الملك الشاب إلا حشد حلفائه والاستعانة بكل قدراته لمواجهة الخيانة والخطر وهزيمة أعدائه والحفاظ على ‏سلامة شعبه وأسلوبه في الحياة. ‎ويعمل "تشالا" ‏على تحقيق التوازن بين دوره كملك واكاندا ودوره في حماية بلاده بصفته "الفهد الأسود‎".

شخصيات مميزة

يساعد تشالا في المعارك التي يقوم بها عدد من الممثلين البارعين الذين أضفوا على الفيلم كثيرا من المتعة والأحداث الجميلة والأداء المميز، فشخصية ناكيا، التي تلعب دورها الممثلة لوبيتا نيونجو الفائزة بجائزة الأوسكار في عام 2014، هي صديقة سابقة لتشالا وعميلة سرية ‏للقوات الخاصة النسائية في واكاندا، تقوم بحماية تشالا كونها تخدم ضمن حرسه الشخصي، وتتميز بقوتها وانضباطها، كما تتعامل مع الأشخاص بنفس الطريقة التي يتعاملون بها.
أما كاتمة أسرار تشالا فتدعى أكوياي، تلعب دورها الممثلة داناي جوريرا، التي اشتهرت بدورها في مسلسل ‎ The Walking Dead ‎الذي لقي رواجا كبيرا عند المشاهدين.
كما يشارك فيه الممثلان البريطانيان، دانيال كالويا الذي ينضم إلى فريق العمل في دور "وكابي"، المستشار الملكي لـ "تشالا" عند اعتلائه العرش ‏ليحكم واكاندا، والممثلة ليتيتا رايت التي تجسد دور الأميرة "شوري" البارعة في استخدام التكنولوجيا، وشقيقة "تشالا" الصغرى ‏الجريئة‎.

العدالة الاجتماعية

من جهتها تؤدي الممثلة المرشحة لجائزة الأكاديمية أنجيلا باسيت دور الملكة الأم الشجاعة "راموندا" والدة تشالا، أما الدور الأبرز فكان لإيريك كيلمونجر، يلعب دوره الممثل مايكل جوردن، حيث تقوده حاجة عميقة لإصلاح الأخطاء وإحلال العدالة، التي تعد صفات تلازم البطل عادة وليس الشرير. وهذا ما يجعله شخصية مؤثرة إلى حد عميق في نهاية المطاف.
ولقد قدم المخرج ريان جوجلير شخصية كيلمونجر بطريقة ذكية على الرغم من محاولة تشالا الإبقاء على التقاليد والحفاظ على تكنولوجيا واكاندا المتطورة ومعدن الفيبرانيوم مخفيين بأمان عن العالم الخارجي، سلط في قصة كيلمونجر الشرير الضوء على قضايا العالم الحقيقي الأكبر حجماً التي يستكشفها بلاك بانثر، ويجتمع عديد من المواضيع سوية مثل سياسة الانعزال، وما يملكه وما لا يملكه المرء، والعدالة الاجتماعية، وإرث الاستعمار، لجعل الفيلم من أكثر أفلام مارفل السياسية التي تأتي في الوقت المناسب وأكثرها أهمية حتى يومنا هذا.

مؤثرات بصرية قوية

أما من الناحية الفنية وتصميم الإنتاج والأزياء، فجاء بلاك بانثر ليقدم متعة للمشاهد خاصة من ناحية المؤثرات البصرية التي بدأت تتطور مع توجه تشالا إلى كوريا الجنوبية في مهمة، حيث كانت وتيرة المشاهد سريعة على عكس بداية الفيلم، والتصوير متقن وجذاب ويرقى إلى مستوى مارفل الذي اعتدنا عليه.
يذكر أنه كان الظهور الأول لشخصية تشالا في فيلم كابتن أميركا عام 2016، واستطاعت مارفل أن تقدم شخصيةً جديدةً بطريقة مميزة نالت إعجاب المشاهدين والنقاد على حد سواء، حيث وضعته مجلة Wizard في المركز 79 ضمن قائمة أفضل شخصيات القصص المصورة، وقد حقق انطلاقة قوية في دور العرض السينمائية، منذ أن تم طرحه رسميا مع منتصف فبراير الحالي، إذ وصلت إيراداته في سينمات أمريكا الشمالية ما يقرب من 192 مليون دولار. وحصل العمل على تصنيف نادر بلغ مائة في المائة من موقع روتن توميتوز، الذي يقوم بتجميع آراء النقاد، الذين أشادوا بأحداثه وبتصويره لإفريقيا الساحرة.

واكاندا .. منطقة نزاع

من اللافت، بل من الصدفة المريبة المثيرة للاهتمام، أن الفيلم يصور "واكاندا" كمنطقة صغيرة تقع حول بحيرة "توركانا"، وهي المنطقة التي تجتمع فيها أوغندا وكينيا وجنوب السودان وإثيوبيا، وتعرف بـ "مثلث أليمي"، وهي مساحة من الأراضي المتنازع عليها بين كينيا وجنوب السودان، فهل يا ترى اختيار تلك الرقعة الجغرافية لتكون ساحة قتال في الفيلم أمر مقصود كونها منطقة نزاع في الواقع؟ أم أنه مجرد صدفة عابرة؟ كما أظهر الفيلم "واكاندا" منطقة جميلة للغاية، ومتنوعة طوبوغرافياً، حيث تشير أبنيتها التي صنعها الإنسان نحو المستقبل، وفي نفس الوقت تحتفل بماضيه. فمن خلال مشاهد قليلة فحسب، تبدو "واكاندا" بالفعل جزءاً مسكوناً لا غنى عنه ضمن كون مارفل السينمائي.
لكن مهما كان الأمر، مما لا شك فيه أنه إلى جانب قيمته التجارية والربحية، والضجة "التويترية" التي أثارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يشكل الفيلم منعطفا جديداً لكيفية إظهار ذوي البشرة السوداء على الشاشة وحجم الفنانين من غير البيض في هوليوود.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون