متى تستثمر في سوق العقار؟

|

قدر عقاريون متخصصون التراجع في أسعار العقارات بما يقارب 30 في المائة مع إمكانية حدوث تراجع إضافي خلال الفترة المقبلة ويرى بعضهم أن هذا الهبوط بمنزلة حركة تصحيحية لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي بينما آخرون يرون أن هذه بداية ركود طويل.
وبما أن لكل نشاط استثماري خصائصه وأصوله فسأعرض في مقالي هذا خصائص نشاط العقار وسيكون تركيزي على ماذا على المستثمر العقاري أن يفعل في مثل هذه الظروف التي تمر بها سوق العقار السعودية؟ هل يقدم ويظل يستثمر؟ أم يحجم ويتوقف؟ أم يحول استثماراته إلى نشاط آخر؟ هناك حقائق عن العقار يتعين التوقف عندها ودراستها بجدية لمن أراد أن يستثمر في نشاط العقار.
أول مبدأ ينبغي أن نعرفه عن الاستثمار في العقار هو الوقت. فهناك أوقات تعتبر مناسبة لدخول سوق العقار وأوقات أخرى تتطلب التريث. لدى خبراء العقار هناك أوقات يكون فيها الاستثمار مربحا وأوقات أخرى لا يجني منها المستثمر سوى الخسارة. السوق لها أبواب افتراضية لا يراها إلا خبراء العقار تفتح تارة وتغلق تارة أخرى، ومهمة المستثمر الناجح تتمثل في التربص بهذه الأبواب وبذل الجهد في معرفة متى تفتح فيقدم ويستثمر بكل ثقة ويعرف وقت إغلاقها فيكفُّ ويبقى يتحين فرصة فتحها مرة أخرى.
السبب الجوهري للخسائر في سوق العقار هو أن المستثمرين المبتدئين لا يعرفون متى تفتح أبواب السوق العقارية ومتى تغلق. عندما يتكبد المستثمر العقاري خسائر فإنه يحكم على هذا النوع من الاستثمار بأنه غير مربح وينقل استثماراته إلى نشاط آخر. المشكلة هنا ليست في نشاط العقار ذاته بل في وقت الاستثمار فالذين يحققون خسائر هم أناس قاموا بالاستثمار عندما كانت الأبواب مغلقة فلو بذلوا جزءا من وقتهم وتعلموا وعرفوا متى تفتح الأبواب فيقدمون ويستثمرون ومتى تغلق فيحجمون ويتوقفون، عندها سيكونون بمنأى عن أي خسارة، ولكن كيف نعرف أن أبواب سوق العقار مفتوحة وكيف نعرف أنها مغلقة؟
ولكي أجيب عن هذا السؤال سأعرض حالة سوق العقار في الولايات المتحدة من عام 1989 إلى عام 2000. في الفترة ما بين 1989 إلى 1994 انخفضت سوق العقار في الولايات المتحدة وانقسم المستثمرون إلى قسمين: قسم أقدم على شراء الوحدات السكنية والمنتجات العقارية بكل أنواعها وأصنافها من دور ووحدات سكنية مستقلة وفنادق وأبراج سكنية، وبما أن السوق منهارة فقد كانت الأسعار زهيدة للغاية وفقدت العقارات كثيرا من قيمتها. الفئة الأخرى وهم الغالبية أحجمت وتوقفت يقينا منها أن قطاع العقار لم يعد جذابا وخرج كثيرون وتوجه بعضهم إلى الاستثمار في الأسهم عندما كانت سوق الأوراق المالية في قمة انتعاشها باعتبارها البديل المناسب للاستثمار.
حتى نعرف من هو الرابح نحتاج إلى أن نكمل القصة. بعد عام 1994 بدأت سوق العقار في الولايات المتحدة في الانتعاش ثم زادت وزادت حتى بلغت ذروتها عام 2000 من الألفية الحالية. فلو طبقنا قاعدة "فتح وإغلاق أبواب سوق العقار" على هذه الحالة التي بين أيدينا لوجدنا أن عام 1995 هو وقت إغلاق أبواب الاستثمار العقاري في أمريكا فمن لم يدخل من قبل فلن يجني سوى الخسارة، أما الذين استثمروا والسوق منهارة وأقدموا والناس محجمون وتقبلوا المخاطرة وغيرهم آمنون فقد حققوا الأرباح.
المستثمرون الذين دخلوا سوق العقار والأبواب مفتوحة (من 1989 إلى 1994) حققوا أرباحا بملايين الدولارات بينما الذين خرجوا في هذه الفترة ضاعت عليهم الفرصة الذهبية بل ارتكبوا خطأ آخر حيث بدأوا يتوافدون إلى السوق عام 1995 عندما رأوا الأموال تتدفق في أيدي المستثمرين ظنا منهم أن هذا وقت ثمين للاستثمار غير مدركين أن الأرباح كانت من نصيب من دخل والأبواب مفتوحة ولكنهم لم يدركوا أن الأبواب قد أوصدت فانتعاش السوق لا يعني أن الاستثمار جذاب بل يعني أن أبواب السوق مغلقة وركوده يعني أن أبوابها مفتوحة.
وهذه قاعدة استثمارية بسيطة "أقدم عندما تنهار السوق تماما وأخرج عندما تبدأ في الصعود" أي بمعنى أدق استثمر عندما تفتح الأبواب (انهيار السوق) وأحجم عندما تغلق (تنتعش) السوق ولكن المهارة تكمن في معرفة متى تفتح الأبواب؟ ومتى تغلق؟
وبما أن مبادئ الاستثمار في العقار في أي بلد في العالم واحدة لم تتغير فلو أردنا أن نسقط حالة سوق العقار في أمريكا إبان التسعينيات من انتعاش سوق العقار ثم ركودها ثم انتعاشها مرة أخرى بما يحدث الآن لسوق العقار في السعودية فيظهر لنا - والله أعلم - أنه طالما هناك هبوط حاد في الأسعار فهذا يعني أن أبواب السوق مفتوحة الآن على مصاريعها فهنيئا لمن لديه المال ويستثمر في العقار ولكنها مسألة وقت لأنها ستنتعش وإذا انتعشت فستغلق الأبواب ويصبح الداخلون بعد ذلك هم الخاسرون. هذا تحليل ومقارنة بين حالتين في بلدين مختلفين، وننتظر تحليلا أعمق من المتخصصين في التمويل العقاري كي يزيدوا الأمر إيضاحا.

إنشرها