فيلم هوليوودي .. وقضية منافسة

|

تعتبر قضية شركة Archer Daneils Midland ADM إحدى أهم قضايا المنافسة على مستوى تاريخ المنافسة الأمريكي، التي كانت تتعلق بمخالفة أساسية وهي مخالفة الاتفاق على تثبيت الأسعار الذي يحاربه قانون المنافسة الأمريكي، وتسعى السلطات الأمريكية لمحاربته وكشفه ومن ثم معاقبة مرتكبيه. ولأهمية القضية وأثرها، تم تمثيلها بفيلم هوليودي بعنوان The Informant، قام بتمثيله الممثل مات ديموند مصورا فيه جزءا من أحداث القضية بمن فيهم المخبر مارك ويدقر، الذي لعب دورا جوهريا في القضية. هذا الفيلم كان بناء على رواية كورد إيكنوالد الصحافي الاستقصائي لدى "نيويورك تايمز" باسم الفيلم "المخبر" نفسه.
شركة ADM تعتبر إحدى الشركات الأمريكية الكبيرة التي تعمل في مجال معالجة الأطعمة وإنتاج الإضافات الغذائية، ومنها مادة الليسين Lysine التي تتم إضافتها أو إطعامها للحيوانات لتساعدها على النمو بشكل جيد. على الرغم من أن الشركة قد دخلت للسوق الأمريكية فيما يتعلق بالإضافات الغذائية أخيرا لتنافس سيطرة الشركات الآسيوية، إلا أنها استطاعت أن تحتل مكانا قويا في السوق الأمريكية ما جعلها إحدى الشركات التي كانت تلعب دورا كبيرا في سوق المضافات الغذائية وتحديدا في إنتاج الليسين، وبالتالي جعل لها حصة إنتاجية قوية.
تدور أحداث هذه القضية في 1990، عندما بدأت شركة ADM وشركات يابانية وكورية جنوبية بالاجتماع للاتفاق على تثبيت أسعار منتجاتها والاتفاق على حد معين للإنتاج لكل طرف، الأمر الذي لم يكن سهلا لوجود احتمالية الغش ولا سيما عند الاتفاقات في احتكار القلة وإشكالية نظرية اللعبة. وفي كل الأحوال هذه الأنواع من الاتفاقات تعتبر من أسوأ وأشنع الاتفاقات من وجهة نظر قوانين المنافسة، لذلك تعاقب تلك الأنظمة على مثل هذه المخالفات بالعقوبات المالية والجنائية.
إن الاتفاقات المحظورة بين المتنافسين مثلا لتثبيت الأسعار أو غيرها من الاتفاقات، ليس من السهل كشفها أو إثباتها، بل إن الإثبات يعتبر إحدى المسائل التي تحتاج إلى جهد، ومع ذلك فقد حاولت مجموعة من الدول إيجاد أساليب وآليات لكشفها ليس هذا مكان بيانها.
لذلك فإن كشف إحدى كبرى قضايا تثبيت الأسعار لم يكن ليحدث لولا أن أحد كبار التنفيذيين وهو مارك ويدقار الذي كان رئيسا لقسم المنتجات الحيوية في شركة ADM، أخبر مكتب التحقيقات الأمريكي عن هذه المؤامرة، التي قادت من خلال تعاونه كمخبر لهم إلى كشف هذه الجريمة. لقد شملت هذه الحادثة كلاما ونقاشا طويلا وتشعبت تشعبات كثيرة، وكان من الأحداث المثيرة فيها نشر فيديو تم زرعه من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي في غرفة الاجتماع، وكان أحد التنفيذيين في شركة ADM يقول للشركات المنافسة "أرغب في أن أكون أكثر قربا لكم من أي عميل" وقال لمنافسيه "منافسونا هم أصدقاؤنا، عملاؤنا هم الأعداء". نتج عن كشف هذه المخالفة أن تم تغريم ADM بـ 100 مليون دولار وتعتبر رقما قياسيا في ذلك الوقت، وسجن مجموعة من المشاركين.
والعجيب أنه رغم وجود قانون المنافسة الأمريكي منذ أكثر من 100 عام، إلا أن هذه الممارسات لا تزال موجودة، والسبب في ظني هو ما يمكن أن تحصده هذه الاتفاقات من أرباح مغرية ولو على الأمد القصير، إضافة إلى استبعاد احتمالية كشفها من قبل المشاركين فيها.
باختصار فإن مجموعة من قوانين المنافسة في فلسفتها تأخذ توجها شرسا تجاه مثل هذه المخالفات كونها ترى أن هذه الاتفاقات تعتبر سرقة من جيوب المستهلكين لا تختلف عن السرقة من محل أو سوق.

إنشرها