FINANCIAL TIMES

الوضع عقب 7 أعوام من حرب النظام على شعب سورية؟

يتواصل القتل في سورية، بعد سبع سنوات من صراع سياسي وعرقي وطائفي، محلي وخارجي، بشكل وحشي. مع ذلك، تبدأ أضواء الاهتمام العالمي الخافتة بالابتعاد عن هذه الحرب، التي يعتبر البعض أنها قد انتهت.
لم تنته الحرب بعد، لكن فيما لو انتهت، هل من الممكن تحديد المنتصرين من بين هذا العدد الكبير من الخاسرين؟
أولا، الخاسرون، وأغلبيتهم من الشعب السوري، يعانون على نطاق واسع ليس له مثيل في التاريخ الحديث. حيث إن التقدير واسع الانتشار لمقتل ما يقارب نصف مليون شخص ربما يتحول ليصبح رقما أدنى بكثير من الرقم الحقيقي. تشرد نحو نصف عدد السكان ما قبل الحرب الذي كان يبلغ 23 مليون نسمة، أكثر من 11 مليون شخص، وطرد نحو نصف هؤلاء الأشخاص إلى خارج البلاد.
ومع ذلك لا تزال أعداد القتلى والمشردين آخذة في الارتفاع، بينما يواصل نظام بشار الأسد قصف المستشفيات والأسواق في إدلب في الشمال الغربي، أو استخدام غاز الكلور ضد جيوب مقاومة في الغوطة الشرقية، بالقرب من دمشق.
من الواضح أيضا أن الثوار هم الخاسرون. الانتفاضة المدنية التي بدأت قبل سبع سنوات، تحولت بشكل سريع لتصبح حركة تمرد بمجرد أن قرر نظام الأسد الديكتاتوري إغراق البلاد في الدم.
وهي حركة ظهرت على نطاق واسع في البداية، عملت على جذب معظم أطياف المجتمع السوري متعدد الأديان، ومن ثم تحولت لتصبح مواجهة طائفية، خاصة بعد أن لوح نظام الأسد باستخدام العنف الطائفي لتحفيز نظام الأقلية.
خسر الثوار الرئيسيون مع مرور الوقت المعركة لصالح المتشددين. وقد ساعدت الولايات المتحدة والأوروبيون عن غير قصد على هذا التحول، من خلال التحريض على الانتفاضة، لكنهم امتنعوا عن تقديم الدعم نوعا ما للجماعات الأكثر أو أقل اعتدالا من أجل الإطاحة بنظام الأسد. استعان الغرب إلى حد كبير بالجوار لتقديم الدعم للثوار، ما ترك فراغا عمل على ملئه فصيل داعش والقاعدة وغيرهما من التنظيمات المتشددة لأخرى.
دولة الأسد، التي تفتقر إلى القوى البشرية والمال وتعرضت لما لا يقل عن ثلاث حالات من الانهيار، تم إنقاذها من قبل القوات الجوية الروسية، والقوات الأرضية التي تم تقديم معظمها من قبل إيران وميليشيات شيعية من كل مكان، وأدوات عميلة لها وعلى رأسهم جماعة حزب الله "الإرهابية" اللبناني.
وعلى الرغم من أنه يبدو وكأن الرئيس الأسد هو المنتصر، إلا أنه لا يزال تحت وصاية قوتين - روسيا وإيران - فهو يترأس دولة محاصرة موزعة ما بين العصابات شبه العسكرية والجيوش الخاصة. كما أن قوته أكثر محدودية مما تبدو عليه، حتى وإن هزمت داعش إقليميا.
المنتصر الظاهري في هذه الفوضى والتشرذم هم الأقلية الكردية في سورية، التي استولت قوات الحماية الشعبية التابعة لهم على ربع البلاد، في ظل دعم أمريكي مباشر من جهة، وغير مباشر من جهة أخرى، بمقاتلة داعش وغيرها من التنظيمات المتشددة.
أثناء القتال في ظل الدعم المقدم من القوات الجوية الأمريكية باعتبارها رأس حربة ضد داعش، حازت قوات الحماية الشعبية على اهتمام العالم.
على أنها ربما تكون قد بالغت في ذلك. غزت تركيا عفرين، الجزء الغربي من إقليم القوات، لإحباط طموح الأكراد في بناء منطقة تتمتع بالحكم الذاتي في شمالي سورية، الأمر الذي تخشى من أنه سيشعل التمرد الكردي في جنوب شرقي تركيا.
ربما يبالغ الأكراد السوريون أيضا في درجة الدعم الذي سوف تقدمه إدارة الرئيس الأمريكي الشاردة لتلك الطموحات.
الحقيقة التي ينبغي عليهم إدراكها، قبل فوات الأوان، هي أن الولايات المتحدة تفتقر إلى وجود سياسة متماسكة إزاء سورية، ومنذ النتيجة الكارثية لغزو العراق في عام 2003، خسرت معظم القدرة التي تمتلكها على تشكيل الأحداث في الشرق الأوسط.
تركيا، أيضا، على الرغم من كل ما يمتلكه رئيسها رجب طيب أردوغان من قدرة على التدخل في سورية، لا يمكن احتسابها من المنتصرين.
إن هدفه الأصلي، الإطاحة بنظام الأسد وتثبيت قائد بديل، قد تمت عرقلته. في سعيه لتحقيق ذلك الهدف، قامت أنقرة بتحويل تركيا إلى منشأة للمتطوعين الثوار، الأمر الذي سمح لجماعات من المتشددين كذلك، بأن تضرب بجذورها في الأرض.
التدخل التركي في شمال غربي سورية هو بمنزلة نعمة لصالح فلاديمير بوتين، حيث إن روسيا تسيطر على تلك المنطقة الجوية.
استخدم الرئيس الروسي سورية كنقطة انطلاق لعودة روسيا كقوة عالمية، بمساعدة غير مباشرة من بطء الانسحاب المشوش للولايات المتحدة المتراجعة. في حين أن ذلك يعتبر انتصارا له، إلا أن طموحات روسيا في سورية لا تكاد تعتبر طموحات مشرقة.
الأسبوع الماضي، قامت قوات مرتبطة بتنظيم القاعدة في إدلب بإسقاط طائرة حربية روسية. على الأرض، يتعين على روسيا الاعتماد على قوات الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله وميليشيات الشيعة الأفغانية والعراقية المدعومة من إيران.
قبل أكثر قليلا من أسبوع، استضافت روسيا قمة سورية في سوتشي، لكنها لم تحرز أي تقدم في تصميم عملية انتقال للخروج من الحرب، التي من دونها، من الصعب أن نرى كيف يمكن إعادة بناء سورية، ماديا أو سياسيا.
يرفض الاتحاد الأوروبي الالتزام بإعادة الإعمار من دون تسوية سياسية واتفاق حول مستقبل نظام الأسد.
إيران، مع استراتيجيتها الواضحة لتمتين المحور الشيعي - الفارسي في العراق وسورية وصولا إلى لبنان والبحر الأبيض المتوسط، تبدو كأنها أرجح المنتصرين.
من خلال حرسها الثوري، المتنفذ داخل البلاد والقوة الأولى في الخارج، عملت على إضفاء الصفة العسكرية على المنطقة لصالحها.
مع ذلك، لقد فقدت فرصة جعل الدول المجاورة لها تشعر بالراحة بعد ظهورها كقوة إقليمية طائفية توسعية، ما استقطب المعسكر الخليجي ضدها، وتزويده الجوار كله، بذريعة جاهزة لرفض سياسات طهران.
بصرف النظر عن الطريقة التي ننظر بها إلى الأمور، من الصعب أن نرى أي فائز في هذا الكابوس الجهنمي الذي يقوده نظام الأسد في سورية، في ظل كل تلك البرك العميقة من اليأس والتشرد التي تعم البلاد والعباد، وهو ما يتيح فرصا لا تقدر بثمن لكل تجار الحرب، من كل حدب وصوب، للاصطياد بغزارة فيها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES