مؤشر الداوجونز .. لماذا اضطرب؟

|

فقد مؤشر الداوجونز للأسهم الأمريكي - يوم الجمعة الثاني من فبراير 2018 - نحو 670 نقطة. وجرت تكهنات خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي بحدوث إثنين أسود كما حصل في عدة مرات سابقة ولهذا سادت الأسواق أجواء قلق من هبوط كبير، ما تسبب في إحداث تراجع قوي الإثنين الماضي. وهوى مؤشر الداوجونز للأسهم الأمريكي لنحو 1200 نقطة يوم الإثنين الخامس من فبراير 2018، وهو أكبر هبوط للنقاط في تاريخ المؤشر الأمريكي. وجاء الهبوط الكبير بعد موجة صعود للمؤشر استمرت لأكثر من سنة، طبعا لم تشهد كل أيام السنة الماضية صعودا دائما ولكن اتجاه المؤشر كان تصاعديا لنحو 400 يوم. وكان هناك تخوف كبير من استمرار التراجع ولكن شهد يوم الثلاثاء 6 فبراير قفزة كبيرة تجاوزت 500 نقطة، ولكن بعد اضطراب شديد في المؤشر.
ساد تفاؤل كبير في سوق الأسهم الأمريكي بعد تبني قرارات خفض ضرائب أرباح الشركات. وحفز إقرار خفض الضرائب كبار الشركات الأمريكية على إعادة جزء كبير من أصولها الخارجية السائلة إلى السوق الأمريكية. وكان من أبرز تلك الشركات - عملاقة السوق الأمريكي والعالمي - شركة أبل، التي قررت إعادة 350 مليار دولار إلى السوق الأمريكية خلال السنوات المقبلة، وهو مبلغ ضخم يفوق استثمارات كثير من دول العالم لعدة سنوات. إضافة إلى ذلك دعمت التطورات الاقتصادية الإيجابية الأمريكية والعالمية الاستثمار بوجه عام بما في ذلك سوق الأسهم. ويقدر النمو الاقتصادي السنوي الأمريكي الحقيقي الحالي بنحو 3 في المائة، بينما تتوقع بعض المصادر أن يصل النمو الاقتصادي العالمي هذا العام إلى مستويات قريبة من 4 في المائة. قاد نمو الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الماضية إلى خفض معدلات البطالة إلى ما دون معدل النمو الاقتصادي الاسمي. وبدأت معدلات أجور العاملين بتحقيق مكاسب جيدة مبشرة بزيادة الإنفاق الخاص وتحفيز النمو والاستثمار. وتقدر الزيادة السنوية في معدلات الأجور حاليا بنحو 2.9 في المائة، وهي الأقوى منذ الركود العظيم في عامي 2008 - 2009.
رغم الأساسات الاقتصادية القوية العالمية والمحلية، يبدو أن الأسواق قلقة من حدوث نمو قوي في الأجور خصوصا مع تراجع معدلات البطالة دون مستويات التوظيف الكامل. وإذا حصل هذا ستضطر الشركات لزيادة الأجور للحصول على العمالة الماهرة ما سيخفض مستويات الأرباح ويزيد الضغوط على الأسعار، منهيا فترة كساد الأسعار التي قادت إلى التوسع في السيولة وخفض معدلات الفائدة للسنوات العشر الماضية. ويحتاج احتواء التضخم وإبقاؤه تحت السيطرة إلى اتخاذ إجراءات استباقية من البنوك المركزية. ولن يتوانى البنك المركزي الأمريكي (مجلس الاحتياطي الفيدرالي) عن رفع معدلات الفائدة في حالة زيادة فرص ارتفاع معدلات التضخم. وتشير أحدث بيانات الأسعار إلى أن معدلات التضخم السنوية ما زالت تحت السيطرة في الوقت الحالي حيث لم تتجاوز المعدلات المستهدفة البالغة 2 في المائة، ولكن هناك مخاوف حقيقية بارتفاعها مستقبلا. وترفع المصارف المركزية معدلات الفائدة الأساسية لرفع تكاليف الإقراض والحد من تسخين الاقتصاد وزيادة الأسعار عن المعدلات المستهدفة. وفي حالة رفع معدلات الفائدة فسيهدد بإنهاء فترة الرواج الاقتصادي الحالية وعودة مخاطر حدوث ركود في الاقتصاد الأمريكي وربما العالمي.سيقود رفع معدلات الفائدة إلى رفع تكلفة الاستثمار والاستهلاك كما سيشجع على تدفق الموارد إلى سوق السندات وخفضها في سوق الأسهم. وسيزيد رفع معدلات الفائدة تكلفة الدين الحكومي الأمريكي ويفاقم العجز الكبير المتوقع في الميزانية، ما يرجح تقويض الخطط الاقتصادية ويدفع الحكومة إما لرفع الضرائب أو خفض الإنفاق، وهذا سيشكل خطرا على النمو الاقتصادي المستقبلي.
ارتفاع العائد على السندات خلال الأشهر القليلة الماضية يعبر عن قلق أسواق الأسهم وبحث المستثمرين عن الأمان، حيث يلجأ المستثمرون إلى اقتناء سندات الخزانة أكثر وسائل الاستثمار أمنا، وذلك للحد من تأثير مخاطر تقلبات أسواق الأسهم. وكان المستثمرون في السابق يهربون إلى الذهب بحثا عن الأمان، ولكن يبدو أن الذهب ذهب بريقه وحلت محله السندات.من ناحية أخرى يرى عدد من المحليين أن هبوط السوق أمر طبيعي وضروري حيث كانت هناك حاجة لتصحيح الأسعار المتضخمة لعدد كبير من الأسهم، وارتفاع مؤشر السوق ككل بنحو 40 في المائة منذ تولي الرئيس ترمب. ويرى كثير من المحللين أن هبوط الأسهم ما زال في حدود 10 في المائة وهو هبوط تصحيحي طال انتظاره، أما إذا واصلت السوق هبوطها وانخفضت بنسبة تصل أو تتجاوز 20 في المائة فإن هناك تغيرا في ثقة المستثمرين وموجة هبوط في أسعار الأسهم.
كان يوم الإثنين الماضي أول أيام عمل رئيس مجلس الاتحاد الفيدرالي الجديد ما يعده البعض نحسا عليه، ويتشاءم بعض المتداولين من قدوم رئيس جديد للاتحاد الفيدرالي حيث انهارت سوق الأسهم الأمريكية خلال عام من تولي اثنين من ثلاثة رؤساء سابقين لمجلس الاتحاد الفيدرالي. وعموما يبدو أن سوق الأسهم الأمريكية تشدها مخاوف التضخم ورفع الفائدة من جهة وأساسيات اقتصادية إيجابية من جهة أخرى، ما يعني فترة اضطراب في المؤشرات حتى تتضح الغلبة للعوامل الإيجابية أم للسلبية.

إنشرها