سعادة الشعوب واستقرار الحكومات

|

كانت الحكومات في الماضي تركز على النمو الاقتصادي، وتهتم به على حساب التنمية البشرية في كثير من الأحيان إلى أن دعت منظمة الأمم المتحدة إلى حساب مؤشر التنمية البشرية والاهتمام به، من أجل تسليط الضوء على تنمية الإنسان. وبالمثل، فإن كثيرا من الدول لا تضع سعادة الشعوب في قائمة أولوياتها، وإنما تسعى إلى تحقيق استقرارها من خلال السيطرة على شعوبها وإقناعها بمعنى السعادة والحياة الكريمة من وجهة نظر حكومات تلك الدول. وعلى الرغم من ذلك، فإن مؤشر السعادة Happiness Index بدأ يحتل اهتماما بين الدول، خاصة بعد ظهور مؤشرات للسعادة على شبكة الإنترنت وإجراء مقارنات بين المتغيرات المؤثرة في سعادة الشعوب وتعاستها. فالسعادة – كما يقول أرسطو – "هي معنى الحياة وغايتها".
هناك متغيرات كثيرة تؤثر في الرضا عن الحياة ومن ثم السعادة على مستوى الفرد، منها: الصحة النفسية، والصحة الجسدية، وكذلك، التوظيف، والدخل، والفقر، وتستخدم مؤشرات كثيرة على مستوى الدول، مثل: معدل طول حياة الإنسان، ومدى حرية الأشخاص في اتخاذ قراراتهم، ومدى الدعم الاجتماعي الذي يحصل عليه المواطنون، ونصيب الفرد من الدخل، ومدى انتشار الفساد، والتعليم ونحوها.
وجدير بالذكر أن النرويج تتربع على رأس قائمة مؤشر السعادة العالمي World Happiness Index لعام 2017 الذي تنشره الأمم المتحدة منذ 2012، بالتعاون مع مؤسسات دولية أخرى، وتأتي الدنمارك في المرتبة الثانية، ثم آيسلندا، فسويسرا، وفنلندا. وفي المرتبة الـ 14 تأتي الولايات المتحدة. وفي حين أنه من المستغرب أن تتخلف اليابان إلى المرتبة الـ 51، فإنه ليس غريبا أن تأتي إيران في المرتبة الـ 108. أما الإمارات فتصدرت الدول العربية في المرتبة الـ 21.
ولا غرابة في أن تأتي الإمارات في الصدارة، خاصة أنها أعطت السعادة اهتماما كبيرا فاق جميع الدول العربية خصوصا ومعظم دول العالم عموما، وقد تجسد هذا الاهتمام في استحداث وزارة للسعادة، ثم تنظيم "القمة العالمية للحكومات" الذي حمل هذا العام شعار "استشراف حكومات المستقبل". هذا التميز لدى الإمارات يعكس رؤية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في تمكين جيل الشباب لصناعة المستقبل وتحفيز المواهب والعقول من كل أنحاء العالم على ابتكار آليات للعمل الحكومي لإيجاد حلول للتحديات التي تواجه الإنسانية، وذلك بمشاركة أشهر الجامعات على مستوى العالم. ويناقش هذا التجمع مقاييس السعادة ومردودها الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك ارتباطها بجودة الحياة، وذلك من خلال استعراض تجارب بعض دول العالم وطرح نتائج البحوث والدراسات العلمية، ومنها– على سبيل المثال - ورقة فرانسيس فوكوياما حول "إعادة كتابة التاريخ: الدول الافتراضية"، وذلك امتدادا لطرحه الفكري المثير في كتابه الشهير "نهاية التاريخ" الصادر في عام 1992، وورقة أريانا هافينجتون حول "الثورة النسائية الثالثة"، وكذلك ورقة خوان إنريكيز بعنوان "النسخة القادمة للبشر"، وغيرها كثير.
وفي الختام، لا شك أن مؤشر السعادة، القائم على عينة ممثلة وموضوعية كبيرة، سيعكس الرضا عن أداء الحكومات بشفافية عالية، ما يؤدي إلى الاستقرار وسلامة المجتمعات.

إنشرها