انعكاس مكافحة الفساد .. نهضة اقتصادية

|
أعلن النائب العام في تصريحاته أخيرا نتائج أعمال اللجنة العليا لمكافحة الفساد، التي تم تشكيلها بالأمر الملكي رقم ( أ / 38) وتاريخ 15/2 /1439هـ الموافق الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، ومن الواضح من خلال قراءة تصريحات النائب العام أن آثار ونتائج أعمال اللجنة تتجاوز مسألة مكافحة الفساد، إلى آثار اقتصادية ونظامية، بل حتى جنائية. وبداية لعلنا في مطلع هذه القراءة نسترجع كلمات خادم الحرمين الشريفين خلال افتتاح أعمال السنة الثانية بمجلس الشورى التي أشار فيها إلى الخطوط العريضة لمنهجه في مكافحة الفساد، وأنه -بحول الله- قد عزم على مواجهته بعدل وحزم لتنعم بلادنا -بإذن الله- بالنهضة والتنمية التي يرجوها كل مواطن، فالعزم والحزم هو أساس أعمال اللجنة، والعدل هو منهجها عند التحقيق في قضايا الفساد، والأثر في النهضة والتنمية هو الهدف. ففي جانب العزم والحزم استدعت اللجنة وفقا لتصريحات النائب العام 381 شخصا وذلك من تاريخ الأمر الملكي، وهذا العدد يأتي برغم أن اللجنة العليا لديها من الصلاحيات الواسعة ما يمكنها من استدعاء أي شخص كائنا من كان، والوصول إلى هذا العدد المحدود يؤكد بلا جدل ما قاله خادم الحرمين الشريفين أن هؤلاء قلة قليلة، وأن ما بدر منهم لا ينال من نزاهة مواطني هذه البلاد على المستويات كافة، خاصة أنه وفقا لتصريحات النائب العام فإن عددا كبيرا منهم تم استدعاؤهم للإدلاء بشهاداتهم فقط، فالفساد مهما بلغ حجمه وقيمته فإن الغالب الأعم في المملكة هو النزاهة، وهذه رسالة صادقة، إلى العالم أجمع خاصة مع توجهات المملكة إلى جذب وتشجيع الاستثمار الأجنبي، فالبيئة الاقتصادية اليوم مشجعة إلى حد بعيد، والأمن الاقتصادي واضح جدا، ولم تكن المملكة لتصل إلى هذه النتيجة لو لم تتم هذه الحملة على الفساد بكل هذا العزم والحزم الواضح. ومن جانب العدل، فقد أكدت تصريحات النائب العام أنه بعد استكمال دراسة جميع الملفات تم توجيه الاتهامات لمن نسبت إليهم تهم الفساد فقط، فالعدد الذي وصل إلى 381 قد تم استدعاء كثير منهم، لأجل الإدلاء بشهاداتهم ليس إلا، وهذا يدل على أن التحقيقات كانت تتم بصورة عادلة فهناك أدلة تم جمعها بطرق نظامية، وهناك شهود وهناك تحقيقات وأخيرا اعترافات رسمية دون ضغوط من أي نوع، ولأن المملكة كانت تتوقع حملة إعلامية شرسة من أعدائها فيما لم تعرض أي متهم للضغوط، فقد كانت إجراءات القبض ومكان الحجز والتحقيق معلنة ومرصودة إعلاميا، وبشكل يحافظ على الكرامة والمكانة الاجتماعية لأي متهم، كي لا يدعي أنه تم الضغط عليه أو إجباره على الإدلاء باعترافات غير صحيحة. ثم بعد كل هذه المراحل الدقيقة في العمل تم الإفراج تباعا عمن لم تثبت عليهم تهمة الفساد، كما جاءت الاعترافات ممن ثبتت عليهم التهم لتبدأ مرحلة التفاوض والتسويات. ومن المهم في هذا المقام الإشارة إليه في تصريحات النائب العام أن من ثبتت عليهم قضايا جنائية مرتبطة بقضايا الفساد فقد تم التحفظ عليهم وبلغ عددهم 56 شخصا رفض النائب العام التسوية معهم، بسبب القضايا الجنائية الأخرى. فمنهج العدل واضح جدا فالتسويات لن تمس قضايا الأمن الأخرى ولن يتم التنازل عن حقوق المجتمع فيها. ومن جانب الآثار على النهضة والتنمية فإن الاتجاه إلى التسويات مع من لم ترتبط قضايا الفساد عنده بقضايا جنائية أخرى، حيث رأت اللجنة أن المصلحة العامة هو التوصل إلى تسوية يتم بها الرضا من قبل المتهم بعقوبة مصادرة الأموال والغرامات بدلا من خوض تجربة المحاكم والتقاضي التي قد تطول ثم تنتهي -حتما في ظل الأدلة المتوافرة- بجميع العقوبات ومنها عقوبات السجن التي قد تمتد لسنوات، وقد جاءت نتائج هذا الاتجاه إلى التوفير على الدولة تكاليف القضاء ومدته، كما نتج عنها مبالغ تجاوزت 400 مليار ريال متمثلة في عدة أصول كالعقارات والشركات والأوراق المالية والنقد وغير ذلك، وهذه المبالغ الضخمة لتشير إلى الحكمة الكبيرة التي أديرت المفاوضات بها، خاصة أنه لم يتم التنازل عن حقوق المجتمع في رد الأموال أو الغرامات، وسيكون لهذه الأصول عوائد كبيرة على المجتمع، ولعل أولى نتائجها ما صرح به وزير المالية قبل مدة من أن تمويل بدل ارتفاع تكلفة المعيشة سيتم من تسويات قضايا الفساد، فالدولة -رعاها الله- في هذا العهد الميمون ترد إلى المجتمع حقوقه ممن استلبها فسادا بمصداقية ومهنية عاليتين.
إنشرها