FINANCIAL TIMES

دبلوماسية الأولمبياد .. مقاربة ودية من سيئول لتوحيد الكوريتين «1-2»

تاريخ الأحداث الرياضية في كوريا الجنوبية ملوث بالعنف. قبل أشهر من آخر مرة استضافت فيها سيئول دورة للألعاب الأولمبية قبل 30 عاما، أي في 1988، قصف جواسيس من كوريا الشمالية طائرة مدنية من الجنوب، ما أسفر عن مصرع جميع الركاب الذين كانوا على متنها والبالغ عددهم 115 شخصا.
من ثم، وخلال احتفالات كأس العالم لكرة القدم في عام 2002، فتحت السفن الحربية الكورية الشمالية النار على سفن كورية جنوبية، بقذائف صاروخية وبنادق عيار 85 ملم. أسفر الاشتباك عن مقتل 19 شخصا وجرح 44 آخرين.
الآن، تستعد كوريا الجنوبية مرة أخرى للاندراج تحت الأضواء العالمية، مع حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية يوم الجمعة الماضي، في مقاطعة بيونجتشانج الجبلية في البلاد.
تحت الإرشاد الدؤوب من الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، تعد سيؤول خطة انفراج متدرج طموح مع بيونج يانج، تتطلع من ورائها إلى تأمين عملية مشاركة سلمية لنظام كوريا الشمالية ونجاح الالعاب.
ويبقى السؤال التالي في نهاية المطاف: ما هو الثمن؟
على الرغم من كل طموحاته النبيلة، فإن تواصل مون مع كوريا الشمالية مقامرة خطيرة، بحسب ما يقول الخبراء.
هذه الخطوة لا تنذر بخطر عزل زعيم كوريا الجنوبية عن قاعدته الانتخابية والمؤسسة السياسية في واشنطن فحسب، بل تمنح كوريا الشمالية مجالا كبيرا وثقلاً أكثر لإضفاء اللمسات الأخيرة على ترسانتها من الصواريخ بعيدة المدى، عابرة القارات.
الأمر اللافت للنظر بشكل أكبر حتى من ذلك، أن بعض المحللين أبدوا قلقهم من أنه إن فشلت هذه المناورة بما يشوه فكرة الانخراط، قد يشعر الرئيس دونالد ترمب بأنه أكثر جرأة في متابعة الخيارات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية، بعد أن أثبت مبادرة كوريا الجنوبية أن خيار الدبلوماسية غير مجدٍ مع صبي الصواريخ، على حد تسمية ترمب للرئيس الكوري الشمالي.
يقول ديون كيم، زميل أعلى زائر في منتدى المستقبل في شبه الجزيرة الكورية في سيئول: "غامر الرئيس مون بمستقبله السياسي على المصالحة بين الكوريتين والسلام.
التحدي الأكبر بالنسبة لسيئول سيكون في التوصل إلى نتائج جوهرية"، وإلا فإن الانعكاسات قد لا تكون مخيبة للآمال فحسب، بل وارتدادية كذلك.
نادرا ما كانت الأمور التي على المحك أعلى من ذلك. على مدى العام الماضي، تأرجحت شبه الجزيرة الكورية على حافة الصراع، فيما كان الرئيس الأمريكي ترمب يصطدم في حرب كلامية لاذعة مع نظام كيم جونج أون، حول تطوير واختبار الصواريخ البالستية والأسلحة النووية من قبل نظام كوريا الشمالية.
تعهد ترمب بالرد على أي تهديد من بيونج يانج من خلال مقتطفات من كتاب النار والغضب، مع توقعات متصاعدة خلال الأشهر الأخيرة بأن الولايات المتحدة قد تكون في مرحلة الإعداد لضربة "دموية"، على منشأة تابعة لكوريا الشمالية.
اكتسبت تلك الشواغل أرضية جديدة في الأسبوع الماضي عندما تبين أن البيت الأبيض تخلى عن خطط لترشيح فيكتور تشا، خبير مخضرم في الشؤون الكورية سفيراً إلى سيئول، بعد أن أعرب عن معارضته لمثل هذه الخطط العسكرية.
من جانبه، تعهد مون بالحؤول دون وقوع الصراع على شبه الجزيرة التي يعيش فيها 75 مليون شخص، ويأمل بأن تتمكن ما يسمى بدورة الألعاب السلمية التي تشارك فيها كوريا الشمالية، من تمهيد الطريق لمشاركة أوسع نطاقا وحوار مفتوحاً ممتداً ما بين بيونج يانج وواشنطن، مباشرة أو عبر سيئول.
استثمرت سيئول أكثر من 10 مليارات دولار في تلك الألعاب - في المرتبة الثانية بعد سوتشي قبل أربع سنوات، فحسب - والتي من المتوقع أن تكون أكبر دورة ألعاب أولمبية شتوية حتى الآن، مع مشاركة نحو ثلاثة آلاف رياضي من 92 دولة، وأكثر من 100 ميدالية ذهبية جاهزة للقطاف.
بعد أن اتفقت الكوريتان في الشهر الماضي على تشكيل فريق نسائي موحد للعبة هوكي الجليد، واتفقتا على أن تسيرا جنباً إلى جنب ضمن طابور واحد وتحت راية "علم التوحيد" في حفل الافتتاح، سعى مون للحصول على مساندة الجمهور: "أطلب من الناس أن يعبروا عن دعمهم للحفاظ على الحوار، وتوسيع نطاقه لأنهم سيحمون شمعة تقف في مهب الريح، ولربما لن نكون قادرين على خلق مثل هذه الفرصة مرة أخرى".
مع ذلك، كان رد الفعل مريرا على الصعيد المحلي، فشباب كوريا الجنوبية، على وجه الخصوص، غاضبون من أنه ما كان يتعين على لاعبي بلادهم التخلي عن مواقعهم، من أجل السماح للشباب الكوري الشمالي بالمشاركة.
تظهر استطلاعات الرأي وجود أغلبية ساحقة ممن هم في سن العشرينات والثلاثينات ممن يعارضون وجود فريق موحد، وأن الغضب تحول إلى هبوط في معدلات تأييد على مون.
لقد انخفضت شعبيته إلى نسبة 60 في المائة - وهي لا تزال مرتفعة، لكنها انخفضت عن نسبة 73 في المائة، قبل الإعلان.
في محور هذه القضية هنالك تحول بين الأجيال، بحيث يبدو أن الرئيس الذي يبلغ من العمر 65 عاما قد أساء تقديره: يتشارك شباب كوريا الجنوبية القليل من الروابط العاطفية مع كوريا الشمالية.
يقول كيم جيون، زميل أبحاث في معهد آسان في سيئول: "لا يحس الشباب بأي شعور بالقرابة نحو كوريا الشمالية"، ما يشكل تناقضا بين هذه الفئة السكانية مع كبار السن الكوريين، الذين لا يزالون يأملون في إعادة توحيد شبه الجزيرة.
"إنهم يشكلون جيلا تربى في بيئة معولمة، وهم يرون بكل بساطة أن كوريا الشمالية عدو لهم، وأنها بلد متخلف مثير للمتاعب في الجوار كله، وليس لكوريا الجنوبية فحسب".
توصلت دراسة أجريت العام الماضي من قبل معهد كوريا للتوحيد الوطني بأن أكثر من 60 في المائة ممن شملتهم الدراسة في سن العشرينات، يعارضون إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية، التي انقسمت منذ أكثر من سبعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية.
هذه الفجوة بين الأجيال هي مصدر قلق خاص بالنسبة لزعيم كوريا الجنوبية، باعتبار أن تلك الفئة السكانية من الشباب هي التي دفعته للوصول إلى السلطة العام الماضي، عقب احتجاجات واسعة النطاق ضد الإدارة السابقة.
في جوهر تلك التظاهرات، كانت هنالك مخاوف عميقة حول الإجحاف في مجتمع كوريا الجنوبية، وإساءة استخدام السلطة السياسية.
بالنسبة للشباب، يعتبر شمول لاعبي الهوكي من كوريا الشمالية مجرد مثال آخر. تقول السيدة كيم من منتدى المستقبل لشبه الجزيرة الكورية: "معارضة وجود فريق موحد ليست لأسباب سياسية أو أيديولوجية، فهذا الجيل يهتم أكثر بالعدالة والإنصاف والمعايير والقواعد".
يقول الخبراء إن لفتات مون نحو بيونج يانج تنذر أيضا بخطر عزل سيئول على الصعيد الدولي، من خلال إيجاد خلاف قد يتعمق مع الولايات المتحدة - الضامن لأمن كوريا الجنوبية منذ نهاية الحرب الكورية – خاصة في ظل الإدارة الحالية في البيت الأبيض، واتجاهاتها الصدامية مع كوريا الشمالية.
يتبع الرئيس ترمب استراتيجية "الضغط لأقصى حد" في محاولة لعزل كوريا الشمالية، وإرغامها على التخلي عن برامجها للأسلحة المتطورة.
الآن، تتزايد الشكوك في واشنطن عما إذا كانت سيئول موافقة تماما على هذا النهج.
وفي القوت الذي هاجم فيه الزعيم الأمريكي سجل بيونج يانج الخاص بحقوق الإنسان في الأسبوع الماضي في خطاب ألقاه أمام الكونجرس، كان هنالك 20 من الرياضيين الكوريين الجنوبيين المشاركين في الألعاب الأولمبية، يتدربون في منتجع للتزلج في الشمال.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES