الثورة التكنولوجية الحديثة والنموذج الإسكندنافي

|

يمر العالم بفترة انتقالية سيكون فيها للذكاء الاصطناعي دور بارز في التصنيع وتراكم الثروة. نحن اليوم قاب قوسين أو أدنى من بزوغ فجر ثورة صناعية جديدة يكون فيها للعالم الافتراضي سطوة وتحكم في مقدرات الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
الأتمتة بدأت تطل علينا برأسها وهي في طريقها إلى الإخلال بكل التوازنات التي تعودنا عليها. ويتوقع الباحثون أن وقعها على الاقتصاد وكثير من مضامير الحياة الأخرى سيكون أبعد بكثير من الأثر الذي خلفته أي ثورة صناعية أخرى.
نحن نقترب من الزمن الذي بدأت فيه الآلة أو الماكينة تملك أو بالأحرى تستحوذ رويدا رويدا على بعض مقدراتنا العقلية والفكرية. لن نغالي في القول إن أكدنا أن الآلة أو الماكينة صار بإمكانها اليوم أن تقوم ليس بنشاطات عضلية مثلنا أو أفضل منا، بل إنها بدأت تفكر وتستخدم ملكات عقلية كانت حصرا علينا كبشر منذ نشأة الخليقة.
والماكينة الذكية لها عدة تسميات وأكثرها رواجا هو الإنسان الآلي أو robot بالإنجليزية. شئنا أم أبينا فإن الإنسان الآلي في طريقه إلى أن يحل محل الإنسان في كثير من مضامير التشغيل وفي بعض المصانع صار جزءا من التشغيل.
ما العمل إذا؟ الجواب: علينا كمختصين ومؤسسات وحكومات التخطيط منذ الآن لما هو قادم قبل فوات الأوان.
وكل تكنولوجيا جديدة تحدث خللا في التوازن الذي نحن عليه في أغلب مناحي حياتنا وعلى الخصوص الاقتصادية منها. الاقتصاد بمفهومه الضيق المتعلق بالأمور المعاشية والحياتية اليومية، وبمفهومه العام الذي يشمل الدورة الاقتصادية، هو الهدف الأساس الذي تسعى الثورات الصناعية والتكنولوجية لخلخلته.
صار بإمكان الآلة أو الماكينة اليوم أن تستشعر في بعض الأوجه بطريقة أفضل وأكثر إتقانا من قابلية الحواس لدى الإنسان الذي اخترعها. المكائن تتحدث مع بعضها وأخذت تنجز مهام محددة بدقة متناهية لا تستطيع أنامل الإنسان القيام بها.
وهذا يعني أن استخدام آلات ذكية مثل هذه ستكون ذات مردود اقتصادي كبير لو تم إدخالها بشكل واسع في أماكن العمل من المصانع والمؤسسات والدوائر.
وكلما زادت الإمكانات والطاقات العضلية والعقلية للماكينة الذكية، زاد النمو وتراكمت الثروة. الماكينة الذكية تنتج أكثر وبدقة أفضل ونوعية أحسن من الإنسان الذي بدأت تزيحه رغم أنه هو الذي اخترعها.
أصحاب المعامل والمصانع يستبشرون خيرا ببزوغ عصر الذكاء الاصطناعي، بيد أن العمال الذين تزيحهم المكائن الذكية يزدادون غضبا وخشية من المستقبل.
لا يعرف المرء ما تخلفه البطالة من ألم وإحباط وفقدان الأمل إلا إذا عاش في المجتمعات الرأسمالية. الإنسان لا يخسر وظيفته وما تجلبه من رخاء وحسب بل قد يخسر كرامته أيضا.
وتعلمنا تجربة الثورات الصناعية السابقة أن مقاومة التغيير الذي تجلبه الأدوات التكنولوجية التي تأتي بها لن تجدي نفعا. العولمة لم تكن تحدث لولا التطور التكنولوجي. ولكن مع ثورة الذكاء الاصطناعي نحن أمام خلخلة مختلفة تماما في حياتنا.
العولمة مكنت الشركات الغربية الكبيرة والصغيرة من إسناد كثير من حلقات إنتاجها خارج نطاق بلدانها. هذا كان نقلا محسوسا وملموسا. ومن نواحي الجغرافيا كانت له تبعات مؤثرة ولولاه لما نهضت الصين ونمور جنوب شرق آسيا والهند وغيرها.
مع ثورة الذكاء الاصطناعي، صرنا وجها لوجه أمام ثورة تكنولوجية من نوع وطراز لم تألفه البشرية، لأنها جزء من الواقع الافتراضي الذي كان بمنزلة خيال وصار واقعا.
وفي هذا الواقع يبدو أن الشركات لا تحتاج إلى نقل مكائنها وأعمالها ونشاطاتها إلى مناطق أرخص وفيها طلب كبير على البضاعة من أجل النمو وتراكم الثروة وغزو الأسواق.
الذكاء الاصطناعي يسمح للشركات أن تنمو وتراكم ثروتها ضمن إطار الواقع الافتراضي الذي تعيش فيه والذي سيوفر عمالا مهرة وبأعداد قد لا تحصى ولكنهم ليسوا بشرا.
هذا الواقع الافتراضي الذكي قادم لا محالة ولكنه سيحدث خلخلة لم تحدثها أي ثورة صناعية أخرى قبله. الآلة ستقوم محل العامل. وستكون هناك ليس مئات الآلاف بل ملايين المكائن الذكية التي ستعمل على مدار الساعة وتدير أغلب حلقات الإنتاج والخدمات أيضا.
لا عجب أن يكون مستقبل التشغيل في الغرب واحدا من المواضيع المهمة التي دار النقاش حولها في منتدى دافوس الأخير ولم أستغرب أن يرد مصطلح "النموذج الإسكندنافي" كواحد من النماذج الاقتصادية الناجعة للتخفيف من وطأة التأثير الكبير الذي ستحدثه ثورة الذكاء الاصطناعي.
وما "النموذج الإسكندنافي" يا ترى؟ باختصار شديد إن هذا النموذج يدعو إلى إنشاء صناديق أو ثروة سيادية عامة تؤمن لكل فرد من أفراد المجتمع وظيفة ودخلا محترما حال قيام الإنسان الآلي بالاستيلاء على وظيفته.
وهذا الصندوق يكون عاما بمعنى أن ترعاه الدولة ويكون شفافا إلى درجة يعرف كل فرد ما حصته فيه والمستقبل الذي ينتظره.
كيف يكون ذلك؟ لنترك شرح المشروع الإسكندنافي لمواجهة ثورة الذكاء الاصطناعي إلى الأسبوع المقبل.

إنشرها