برامج إعداد القادة وتفعيل نظام الحوافز؟

|

إن قراءة متأنية لواقع الممارسات الإدارية لمنظمات الأعمال، يتضح لنا أنها تعمل بفكر إداري تقليدي، فإهمال تنمية الموارد البشرية، عدم وجود نظام للحوافز، وتحاشي محاسبة القيادات، من أبرز ملامحها. كثير من منظماتنا لا تعلم ما يدور بداخلها، وليس لديها معيار لقياس درجة رضاء موظفيها، بل إن رضاء الموظف من آخر اهتماماتها.
وحتى يتجلى لنا الأمر فسأبين ملامح هذا الفكر بشيء من التحليل. فقد نشأت منظماتنا على فكرة الرجل العظيم أو "القائد الفذ"، وهذه إحدى الأفكار القيادية التقليدية التي انتشرت في بداية القرن الثامن عشر، وما زالت تمارس حتى الآن في بعض منشآت الأعمال. تقوم هذه الفكرة على بناء القائد شخصيته وإهمال شخصية المنظمة، ولهذا ستظل المنشأة قائمة ولديها القوة على التغيير والنمو طالما بقي القائد، لكنها ستتوقف عن النمو عندما يرحل عنها بنقل أو ترقية أو وفاة، بل إن بعض المنشآت تنهار بسرعة فائقة.
تبني منظماتنا استراتيجياتها على أساس وجود القائد مدى الحياة، وهذا منافٍ لطبيعة الحياة، فالقائد بشر معرض لظروف وتغيرات طبيعية وبيئية وإدارية وتنظيمية، كالنقل، أو التقاعد، أو الوفاة، فإذا رحل عنها بقيت في مكانها لأنها نشأت على قيمه ورسالته. وعند تعيين قائد جديد فسيوجهها وجهة أخرى، وقد يعود بها إلى نقطة الصفر في كثير من أنشطتها، بل قد يغير رسالتها ويبدل رؤيتها ويتوقف عن إنجاز أهدافها.
بطبيعة الحال القائد المؤهل من سمات المنظمات الرائدة، لكن ليس لدرجة أن غيابه يفقد المنشأة صوابها فتتوقف في مكانها أو تنحرف عن وجهتها. وموضوع تعيين القيادات يؤرق القادة الأفذاذ، فعلى سبيل المثال ها هو "جاك ولش" المدير التنفيذي في "جنرال إليكتريك" الذي بقي ما يقارب عقدا من الزمن يبحث عمن سيكون خليفته. يقول "ولش" قبل موعد تقاعده بتسع سنوات "من الآن فصاعدا، صار اختيار خليفتي أهم قرار سأتخذه، وهذا يشغل جانبا كبيرا من تفكيري ولا يكاد يمر يوم دون أن أفكر في هذا الأمر". وقد صور كمنقذ يمتطي حصانا أبيض، لينقذ منظمة غارقة في المشكلات حتى أذنيها.
نعود إلى موضوع منظماتنا، فنقول إنها تفتقر إلى القيادات المؤهلة، لأن ليس لديها برامج لإعداد القادة، فطريقة المحاولة والخطأ التي تتبناها المنظمات عند تدريب الموظفين هي نفسها التي تستخدمها عند إعداد القادة، عن طريق استقطاب غير المؤهلين، أو ضيقي الأفق الذين يمكن السيطرة عليهم، يتم تمريرهم على عدد من المراكز القيادية لعدة سنوات، وترى أن هذا يكفي لإعداد القادة، بل الحصول على مخزون من القيادات المؤهلة حسب رأيهم، وهذا التمرير على المواقع القيادية الذي يحدث في منظمات الأعمال هدفه المبطن كسب الولاء، وليس إعداد قادة.
وطالما أن هؤلاء القادة لم يتلقوا أي تنمية إدارية ولم يتخرجوا من برامج إعداد القادة، فماذا نتوقع منهم؟! مثل هذه القيادات لا تعرف بالضبط ما تريد وإلى أين تتجه، هذا من الناحية التخطيطية، أما من ناحية التوجيه فهم لا يعترفون بكل ما يحمس العنصر البشري على مزيد من العطاء، فأكبر كلمة تغيظهم هي "الحوافز". إنهم يسخرون موظفيهم لمهام تتطلب وقتا أطول في أدائها، فإذا طالبوا بحقوقهم يتم منحهم أقل القليل وعلى مضض، وإن صمتوا استحياء فذلك بالضبط ما يريدونه، وإن استمر الموظف في المطالبة بحقوقه المالية تتم مساومته حتى يمل ويتخلى عن المطالبة، بل وصل الأمر إلى أن بعض المنظمات تلجأ إلى استثمار مجهود الموظف لتوفير بعض الأموال، فبعضها يقوم بمناصفة الموظف مستحقاته المالية عندما يتعاون مع جهات خارجية.
بعض المنظمات قد تصمم نظاما للحوافز، إلا أنها تجرده من العدالة. فخارج الدوام، واللجان الدائمة، والدورات الداخلية والخارجية وحضور الندوات حكر على فئة تربطهم قواسم مشتركة، ومع الوقت تتشكل الأمراض الإدارية والتنظيمية كالفئوية والتكتلات غير الرسمية، ثم تبدأ حياكة المؤامرات، وتتقد الصراعات، حتى تصبح بيئات العمل طاردة كئيبة خالية من الحياة والنشاط، لا يوجد لموظفيها أي رغبة في العطاء، ويتحاشون تحمل أدنى مسؤولية أو بذل مزيد من الجهد، خوفا على مستحقاتهم المالية والأدبية. عدم تبني نظام جيد للحوافز ولّد أنفسا يائسة محبطة، فأصبحت منظمات لا روح فيها ولا حياة، أشبه بالقفر مرتعا للكسل والإحباط.
عند الرغبة في تصميم نظام الحوافز فإنه يجب أن يراعى فيه أن يكون مناسبا لجميع منسوبي المنظمة المتميزين وغير المتميزين، لدفعهم إلى العمل بحب، وترسيخ انتمائهم وتعميق ولائهم. فمنظمات الأعمال حكومية كانت أم غير حكومية أنشئت ليستفيد منها الجميع وليست حكرا على فئة، تؤوي إليها من تشاء وتطرد عنها من تشاء، كما تجب مراعاة مبدأ العدالة عند إعداد نظام الحوافز حتى لا يفقد النظام مصداقيته.
وأريد أن أختم بمقولة صاحب نظرية العدالة "آدم"، "يحكم الناس على نظام الحوافز بأنه منصف إذا استشعروا أن المكافآت أكبر من الجهد المبذول، ويبقى الموظف راضيا ومقتنعا ويبذل أكبر مجهود لديه، حتى يرى أن موظفا آخر يؤدي العمل نفسه ويتقاضى مكافآت أعلى، فيتراخى ويهمل، وبهذا يفقد نظام الحوافر فاعليته".

إنشرها