عالم الغد .. وتحديات التعليم العالي

|

إذا كنا نتطلع إلى "غد أفضل"، فإن صناعة هذا الغد تبدأ اليوم. ولا شك أن "التعليم العالي" وسيلة رئيسة، إن لم تكن "الوسيلة الرئيسة" لصناعة هذا الغد. فالتعليم العالي يسعى إلى تعزيز إمكانات الإنسان، وتفعيل استخدامها والاستفادة منها. والإنسان مكرم من الله تعالى بإمكانات البحث والاكتشاف، والإبداع والابتكار، والعطاء الفكري، والإنتاج المادي، ضمن كون عامر بمناهل كثيرة لا حدود لها. وانطلاقا من ذلك يأتي التفاعل بين التعليم العالي وإمكانات الإنسان ليقدم معطيات يستفيد منها الأفراد، وتتعزز من خلالها المؤسسات، وتزدهر عبرها المجتمعات.
تبين وثيقة صادرة عن "رابطة الجامعات الأمريكية" AAU أن هناك أربعة محاور رئيسة لفوائد التعليم العالي. يرتبط المحور الأول بالجانب "الاقتصادي"، أي بتشغيل الإمكانات البشرية والاستفادة منها، وتوليد الثروة المادية، وتعزيز التنمية الاقتصادية. ويتعلق المحور الثاني بالجانب "السلوكي" للإنسان، بما يشمل تفعيل العمل التطوعي، والالتزام بالقوانين والتشريعات، والاستجابة لمتطلبات الصحة العامة، وتحقيق التنمية الاجتماعية. ويهتم المحور الثالث بالجانب "الثقافي" الذي يثري حياة الإنسان ويعمق فهمه للحياة، وقدرته على التعامل الإيجابي مع الآخرين والارتقاء بالتنمية الثقافية. ويركز المحور الرابع على "التطوير" والاهتمام بالإبداع والابتكار والعمل على تحقيق تقدم "اقتصادي واجتماعي وثقافي".
ويضاف إلى ما سبق، ما أوردته"منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم: "اليونسكو" UNESCO في إحدى وثائقها حول موضوع التشجيع على بناء "مجتمعات المعرفة" Knowledge Societies في دول العالم. فقد رأت الوثيقة أن هذه المجتمعات، عبر تركيزها على الإنسان والمعرفة، تؤدي إلى تفاهم أكبر بين دول العالم، يمتعها ببيئة سلام وتعاون تسمح لها بالتواصل والتفاهم مع الآخرين، وتحقيق تنمية يستفيد منها الجميع. ولا شك أن التعليم العالي هو العمود الرئيس لبناء مثل هذه المجتمعات.
لكن التعليم العالي، على الرغم من فوائده الكثيرة، يواجه تحديات كبيرة من جهة، ومعطيات متجددة من جهة أخرى. وترتبط هذه التحديات والمعطيات بتجدد الحياة التي يعيشها الإنسان والمتغيرات العديدة من حوله. فالاستمرار في أي عمل، لا يعني مجرد أداء هذا العمل بالشكل المعتاد، بل يعني أيضا تطويره، بما يستجيب للمتغيرات الجديدة، فعدم الاستجابة لها يؤدي إلى التقهقر عن مسيرة الاستمرار، والتخلف وراء الآخرين. هذا من أجل "الاستمرار" فقط، لكننا نحتاج أيضا إلى التطوير، وهذا يعني الاستجابة الفاعلة للمتغيرات ومواجهة التحديات، والاستفادة من المعطيات، بروح استباقية، وعقلية تتطلع إلى التطوير، من أجل دور متميز أكبر في عالم الغد.
في مسألة الاهتمام بالمستقبل، يذكر "اللورد إيتويل" Lord Eatwell رئيس كلية كوينز Queens’ College في جامعة كامبردج Cambridge Univ. بقول معبر "لجون ديوي" John Dewey أحد مفكري القرن الـ 19. ونص هذا القول التالي: "عندما نقوم بتدريس الجيل الجديد بطريقة تدريس جيل البارحة ذاتها، فإننا نحرمهم إدراك مسيرة الغد". والمقصود بالطبع هو استيعاب المتغيرات المتجددة والمؤثرة في المستقبل، والاستجابة لها ابتداء من اليوم من أجل الوصول إلى الغد الأفضل.
ترتبط تحديات التعليم العالي الرئيسة بعدد من القضايا المهمة. ولعل بين أبرز هذه القضايا: تزايد تكاليف هذا التعليم؛ ومتطلبات سوق العمل؛ وضرورة التعلم المستمر مدى الحياة؛ والحاجة المتزايدة إلى وظائف متقدمة ومتجددة معرفيا، خصوصا مع دخول الذكاء الاصطناعي وأجهزة الروبوت سوق العمل. وتتضمن المعطيات التي يتمتع بها هذا التعليم التقنية الرقمية التي باتت وسيلة فاعلة للتعامل المعرفي في مختلف المجالات، ليس في إطار المؤسسات، أو حتى الدول فقط، بل على مستوى العالم بأسره. وهنا تبرز هذه التقنية كوسيلة لتطوير التعليم العالي، وتعزيز بعده العالمي بشكل غير مسبوق.
في قضية تكاليف التعليم تقول إحصائية نقلتها دافن كولر Daphne Koller الأستاذة في جامعة ستانفورد عن مكتب العملBureau of Labor الأمريكي، "إن رسوم التعليم الجامعي في أمريكا زادت بنسبة قدرها 5.59 مرة" على مدى ثلاثة عقود منذ أواسط الثمانينيات من العقد الماضي. ويحد هذا الأمر من الإقبال على هذا التعليم من الراغبين والمتفوقين.
وفي موضوع سوق العمل أوردت وثيقة صادرة عن "رابطة الجامعات والكليات الأمريكية" AAC&U أن أصحاب الأعمال يتطلعون إلى جامعيين يتمتعون بست صفات رئيسة مهمة، لا تتوافر عادة في كثير منهم. تشمل هذه الصفات: "مهارات التواصل؛ والثقافة العلمية العامة؛ وطرح الآراء من خلال السببية والإثبات الكمي عند الحاجة؛ والتوجه نحو الابتكار؛ وإدراك الاختلاف الثقافي؛ والتعامل بإيجابية مع الآخرين". ويضاف إلى ذلك مشكلة حاجة كثير من الوظائف المتاحة إلى تعددية التخصص Multidisciplinary بدلا من التخصص الواحد Major الذي يتميز به معظم خريجي الجامعات في الوقت الحاضر.
ونأتي إلى التعلم المستمر مدى الحياة Life Long Learning: LLL. في هذا الإطار يقول ريتشارد برودهد Richard Brodhead الرئيس السابق لجامعة ديوك Duk، في وصف التعليم العالي، ما يلي: "ليس التعليم العالي لقاحا يأخذه الطالب مرة واحدة ويكفيه مدى الحياة". ويعبر هذا الأمر عن حاجة الخريجين إلى الاستمرار في التحصيل نظرا لتجدد المعارف والخبرات، واختلاف متطلبات الوظائف. وقد يكون ذلك عبر متابعة ذاتية، أو ربما من خلال برامج تعليم مستمر تقدمها الجامعات خصوصا في الموضوعات المعقدة التي تتطلب ذلك. وتزداد أهمية مثل هذه البرامج مع الحاجة المتزايدة إلى وظائف متقدمة، تتجاوز قدرة أجهزة الذكاء الاصطناعي على أدائها.
ونصل إلى معطيات التقنية الرقمية، وخدماتها التي باتت تغطي مختلف مجالات الحياة، وتقدم أداء أفضل لمختلف نشاطاتها. هذه التقنية لا تقدم حلولا للتعليم العالي ونشاطاته، بل تعطي وسائل جديدة ومتجددة يمكن الاستفادة منها في تقديم الحلول المنشودة. وتستطيع هذه الوسائل الإسهام في توسيع دائرة التعليم العالي وجعله متاحا لكل من يرغب؛ كما تستطيع تفعيل التواصل بين مؤسساته وسوق العمل بما يحقق الاستجابة لمتطلباته. ويضاف إلى ذلك تمكين الجميع من التعليم المستمر والتعلم مدى الحياة. والملاحظ في هذا المجال، أن جامعات العالم المتميزة تقود التحول الرقمي في التعليم العالي، كما ذكرنا في مقال "تحدي هارفارد في الداخل". ولعلنا نطرح في مقال مقبل مسألة التحول الرقمي وعولمة التعليم العالي.

إنشرها