بروز دور المحاكم التجارية وأهميتها

|

من الواضح الأثر الذي شهدته المحاكم نتيجة صدور نظام المرافعات الشرعية عام 1435هـ، لكن أبلغ الأثر كان في أعمال المحاكم التجارية، فقد جاء نظام المرافعات بمنح هذه المحاكم الاختصاص في جميع المنازعات التجارية التي تقع بين التجار أو التي ترفع على التاجر بسبب أعماله التجارية، والاختصاص في نظر جميع الدعاوى المتعلقة بالأنظمة التجارية. وعلى الرغم من أن أعمال هذه المحاكم التجارية بدأت رسميا عام 2017، في الرياض، والدمام، وجدة، فقد شهدت هذه المحاكم نحو 108 قضايا خلال أربعة أشهر فقط في قضايا الملكية الفكرية وتقليد العلامات التجارية المقدمة من الشركات والمؤسسات، وتركزت هذه القضايا في المحكمة التجارية في الرياض.
فمن الواضح جدا حجم الاحتياج لهذا النوع من المحاكم التي يمكن إيجاز القول بأهميتها بالعودة إلى ما صرح به وزير العدل رئيس مجلس القضاء الأعلى عند تدشين أعمال المحاكم التجارية رسميا بداية عام 2017 حيث إن العمل في هذه المحاكم يعد نقلة نوعية وتطورا لافتا في مسيرة القضاء المتخصص في السعودية، وسيسهم في تعزيز بيئة قطاع الأعمال وتوفير مناخ اقتصادي تسوده الثقة والاستقرار وحفظ الحقوق، والتشجيع والتحفيز على الاستثمار في المملكة، ودعم حراك التنمية الاقتصادية بما ينسجم مع أهداف "رؤية المملكة 2030".
القضاء التجاري مهم جدا وهو اختصاص دقيق ويحتاج إلى خلفية قضائية متخصصة، كما أن نوعية القضايا تتسم بكثير من العناصر المتشابهة ما سيعجل بحل هذه القضايا وهو ما يحتاج إليه العمل التجاري، كما أن ظهور هذه المحاكم على ساحة القضاء يرفع من مستويات النزاهة في الأعمال التجارية، نظرا لسهولة الوصول إلى قضاء متخصص مباشرة، أضف إلى ذلك أن المملكة اليوم لديها كثيرا من الأنظمة ذات الطابع التجاري ومنها نظام العلامات التجارية الذي شهد كثيرا من القضايا بمجرد إطلاق أعمال المحكمة. كما أن هناك كثيرا من الأنظمة الأخرى ومنها نظام الإفلاس التجاري الذي يدرس الآن في مجلس الشورى ويحتاج في كثير من مواده إلى المحكمة والقضاء المختص.
ورغم أهمية موضوع المحاكم التجارية والقضاء المتخصص، إلا أن ظاهرة ارتفاع القضايا في العلامات التجارية تقدم لنا مشكلة اقتصادية عميقة. فالغش التجاري يمثل مشكلة اقتصادية يعانيها المجتمع سواء المجتمع التجاري أو مجتمع المستهلكين، بل إن لهذه القضية أبعادا تصل إلى المسألة الأمنية المدنية. فكثير من الحرائق التي سجلت كانت أسبابها تعود إلى أجهزة وأدوات مغشوشة. وقد نجد كثيرا من هذه الأجهزة المغشوشة تم تسريبها إلى الأسواق من خلال الاعتداء على العلامات التجارية المسجلة رسميا وتخضع منتجاتها إلى معايير المواصفات والمقاييس، فظهور هذا العدد من القضايا وخلال أربعة أشهر فقط يشير إلى حجم هذه المشكلة وتجذرها. وهنا أيضا يمكن الإشارة بكل وضوح إلى الدور الذي ستقوم به المحاكم التجارية للقضاء على هذه الظاهرة، فالتقاضي ضد الاعتداء على العلامة التجارية سيسهم في بناء وعي مجتمعي يسهم أيضا في ممارسة دوره الرقابي من خلال حماية التجار لعلاماتهم التجارية. وفي هذا المسار، مع سهولة التقاضي خاصة مع مشروع تطوير القضاء من الجانب التقني وفي عالم الأعمال الذي في حاجة إلى تسريع التقاضي فإن سرعة صدور الأحكام التنفيذية ستحد من الظواهر السلبية في الاقتصاد وتشجع البيئة الاستثمارية المتميزة.

إنشرها