FINANCIAL TIMES

اليونان ومقدونيا تتصارعان على مجد الإسكندر الأكبر

على خلفية تمثال الإسكندر الأكبر الذي يشبه المحارب ويمتطي ظهر الجواد، ألقى الجنرال المتقاعد فرانجوليس فرانجوس أمام حشد مكون من أكثر من 300 ألف شخص في ثيسالونيكي، أكبر المدن اليونانية في شمال شرقي البلاد، الرسالة التي جاؤوا لسماعها.
قال الجنرال "مقدونيا يونانية فحسب، وستبقى كذلك".
فرانجوس، رئيس أركان سابق في الجيش وقوي البنية، يحشد معارضة شعبية أمام جهود جديدة يبذلها أليكسيس تسيبراس، رئيس الوزراء اليوناني، لتسوية أحد نزاعات السياسة الخارجية الأكثر تعقيدا في البلاد: ما الاسم الذي يجب أن يُطلَق على الدولة الشمالية المجاورة لليونان، التي تسمى (فايروم- جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة)، بما يرضي اليونان فيما تتذمر مقدونيا من الاسم، مطالبة بإعلانها مقدونيا فحسب.
دخلت مقدونيا واليونان في شقاق منذ نحو 30 عاما حول قضية التسمية، منذ أن أعلنت مقدونيا استقلالها في عام 1991 عن الاتحاد اليوغوسلافي المنهار.
أثارت أثينا اعتراضات في غضون أسابيع، مدعية أن الاسم يعني وجود مطلب إقليمي للدولة الناشئة، على منطقة مقدونيا الموجودة في شمالي اليونان، على الحدود مع الدولة المعلنة.
تمخض عن محادثات الوساطة التي بذلتها الأمم المتحدة أكثر من 20 اسما بديلا على مر السنين، كلها رفضت، سواء في أثينا أو في سكوبيِه، عاصمة جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية سابقا. الآن، يبذل تسيبراس محاولة أخرى لإيجاد حل للصراع السيمانتيكي - ويبذل فرانجوس قصارى جهده لردعه.
حذر فرانجوس في ثيسالونيكي، بينما كان المتظاهرون يلوحون بأعلام يونانية زرقاء وبيضاء ضخمة ويهتفون باسمه "الناس لن يجلسوا مكتوفي الأيدي ويتفرجون، في الوقت الذي يوقع فيه الساسة على اتفاق مع سكوبيِه يتضمن اسم مقدونيا".
من المزمع أن تخرج مظاهرة أخرى معادية لسكوبيِه يوم الأحد الماضي خارج مبنى البرلمان في أثينا، بينما يقول المنظمون، وهم رابطة عالمية مؤلفة من أهل منطقة مقدونيا اليونانيين، إنهم يتوقعون خروج ما لا يقل عن مليون شخص.
لدى حكومة كل من أثينا وسكوبيِه أسباب وجيهة تدفعهما للعثور على حل للنزاع على الاسم. يرى تسيبراس أن هنالك فرصة لتلميع صورة اليونان أمام شركائها الأوروبيين - والذين خاض معهم هو وحزبه اليساري المتطرف سيريزا، مرارا وتكرارا، نزاعات حول شروط عمليات الإنقاذ المقدمة لأثينا خلال فترة الأزمة المالية.
وقد أعلن خطته في الوقت الذي أطلقت فيه بروكسل مبادرتها التي تدعو إلى تكامل أوثق بين جمهورية مقدونيا (اليوغوسلافية سابقا) ومرشحين آخرين لعضوية الاتحاد الأوروبي في غربي البلقان.
بالنسبة لزوران زائيف، رئيس الوزراء المعتدل الذي يترأس الائتلاف الحاكم الهش في سكوبيِه، فقد تحقق هذه الصفقة منافع سريعة: بداية مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي، ودعوة للمشاركة في القمة التي يعقدها حلف النيتو خلال العام الحالي. وقد اعترضت اليونان على كلا الأمرين خلال العقد الماضي.
ماثيو نيميتز دبلوماسي أمريكي متقاعد، ويعمل منذ فترة طويلة وسيطا للأمم المتحدة حول قضايا التسمية، عقد محادثات في أثينا هذا الأسبوع. يوم الخميس الماضي، سلم المسؤولون في سكوبيِه آخر المقترحات اليونانية للاسم الجديد، الذي أفيد بأنه: جمهورية جورنا مقدونيا أي جمهورية مقدونيا العليا.
قال نيميتز بعد الاجتماع "هنالك اختلافات في مواقف البلدين، لكنني متفائل".
يتشكك كثيرون في أثينا من تمكن تسيبراس من إبرام اتفاق، نظرا لقوة الدعم غير المتوقعة المقدم للمعارضة القومية.
أظهر استطلاع للرأي أجري هذا الأسبوع أن 59 في المائة من اليونانيين يعارضون إبرام اتفاق حول اسم مركب، مثل مقدونيا الجديدة، من شأنه أن يميز الجمهورية غير الساحلية، عن منطقة شمال اليونان مترامية الأطراف.
تغير الزمن منذ أوائل التسعينيات، عندما شعر بعض السياسيين اليونان، مع تعرض منطقة البلقان للاضطرابات، بالقلق من أن روسيا قد تقدم الدعم لمحاولة مقدونيا المطالبة بمناطق في شمالي اليونان، تسكنها أقلية من الناس يتكلمون لهجات سلافية.
تراجعت مثل هذه المخاوف بعد أن وقعت كل من أثينا وسكوبيِه على اتفاقية مؤقتة أزالت العقبات التي تعترض التجارة والسياحة عبر الحدود: أصبحت الشركات اليونانية أكبر المستثمرين الغربيين في مقدونيا، حيث استحوذت منذئذ على المناجم والمصارف ومصفاة النفط الوحيدة في البلاد.
ما يبقي النزاع قائما هو الغضب اليوناني حول مطالبة مقدونيا بتراث الإسكندر الأكبر، بحسب ما يقول المحللون في شمالي اليونان، حيث يقف تمثال ضخم لمحارب غير معروف يمتطي جوادا، يشبه التماثيل اليونانية للملك القديم، على قمة عمود في الساحة الرئيسية في سكوبيِه.
تعد اليونان هذا التمثال استفزازا متعمدا من قبل الحكومة القومية المتطرفة تحت قيادة نيكولا جروفسكي، رئيس الوزراء الأسبق.
كما تتفاخر سكوبيِه أيضا بمطار الإسكندر الأكبر الدولي- على الرغم من أن زائيف وعد بأن تعاد تسميته، بعد اجتماعه مع تسيبراس في دافوس الشهر الماضي.
قال أحد المراقبين في ثيسالونيكي "يعتبر هذا إلى حد كبير خلافا على حقوق التراث والملكية الثقافية، فالاسم اللامع للإسكندر يعني كثيرا، ولا سيما في شمالي اليونان ومقدونيا أيضا".
يتعارض تسيبراس منذ الآن مع شريك الائتلاف القومي اليميني في حزب سيريزا، حزب اليونانيين المستقلين (آنيل)، حول قضية التسمية. يؤكد بانوس كامينوس، زعيم حزب آنيل ووزير الدفاع، على أنه سيبقى مواليا لرئيس الوزراء.
على أن حزب سيريزا سيحتاج ستة من أصوات الحزب التسعة للتصديق على اتفاق الاسم في البرلمان، ومن غير الواضح ما إذا كان باستطاعة كامينوس تأمين تحقيق ذلك.
تراجع حليف آخر لتسيبراس، ألا وهو رئيس الأساقفة إيرونيموس، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ذات النفوذ، عن اتفاق يتضمن منع الكهنة من المشاركة في المظاهرات المناهضة لمقدونيا.
الكنيسة التي أيدت فرض حظر يوناني على الوقود في التسعينيات بهدف إرغام مقدونيا على قبول تغيير الاسم، تعد من قبل كثير من أفراد الشعب اليوناني الوصي الموثوق على مصالح البلاد الوطنية.
يقول آريس هاتزيس، أستاذ في كلية الحقوق في جامعة أثينا "هنالك مجال للتوصل إلى حل وسط لائق حول الاسم، كما أن حزب سيريزا، من خلال نظرته الأممية اليسارية، هو الحزب الذي يمكنه تحقيق ذلك، إلا أن ردة الفعل العنيفة المتوقعة، لا محالة، يبدو منذ الآن أنها مدعاة لتثبيط العزائم".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES