تراكم الثروة بين الحلال والحرام

|
بدءا أقول إن مسألة ما هو حلال أوحرام تبقى لا خلاف حولها، بينما يظل مفهوم الثروة والثراء نسبيا وذاتيا. أنا مثلا أعمل أستاذا في جامعة سويدية وأتقاضى دخلا محترما كموظف في الدولة السويدية. في داخل السويد، أعد جزءا من الطبقة الوسطى. بيد أنني سأكون غنيا مترفا ومسرفا في عيون نصف العالم، أي نحو 3.5 مليار إنسان الذين بالكاد يملأون بطونهم. وأنا أيضا أعد أكثر غنى وترفا ورفاهية حتى من الأباطرة الرومان. من خلال الدخل الذي أحصل عليه كأستاذ جامعي، في حوزتي وتصرفي أدوات وأجهزة ووسائل تواصل واتصال وتسوق وخدمات منها ما تقدمها الدولة مجانا ومنها ما أحصل عليه بعرق جبيني ما لم يكن متوافرا لدى أي إمبراطور روماني. والثروة تتراكم، بمعنى أنها تنمو. هذا كان ديدنها منذ نشأة العالم. ولكن علينا أن نتذكر دائما أن ثروة الأمم ومعها ثروة الأشخاص أخذت تنمو بطفرات غير مسبوقة منذ الثورة الصناعية وحتى اليوم. وكان الإنسان في السابق يستغرق قرونا طويلة للانتقال من مرحلة لتراكم الثروة إلى أخرى. لنفكر مثلا في الزمن الذي استغرقه الإنسان للتحول من صياد وجامع لقوته إلى مزارع ومدجن للحيوانات. ما يحدث في عالم اليوم هو أن الثروة أخذت تنمو وتتراكم بطفرات مذهلة وبسرعة قياسية. ليس هذا فقط، بل صرنا نلاحظ أن الزيادة المطردة في نمو الثروة تؤدي في المحصلة النهائية إلى احتكارها أو وجودها لدى أقلية صغيرة تشكل أقل من 1 في المائة من نسبة السكان في العالم. وكل طفرة أو ثورة صناعية جديدة تجلب معها جيلا جديدا ومحددا من الأثرياء يكتنزون من الثروة بمقادير ربما لم يكن في الإمكان تصورها في أغرب الأحلام. اليوم، وحسب قوائم مجلة "فوربس" لعام 2017، يمتلك عشرة أمريكيين فقط أكثر بكثير مما يمتلكه نصف العالم، حيث تتجاوز ثروتهم الشخصية نصف تريليون دولار. وأغنى أغنياء أمريكا برزوا في العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية وبنوا ثروتهم الهائلة على أكتاف الثورة الخوارزمية (الرقمية) التي جلبت لنا الإنترنت وأدخلتنا في عالم الذكاء الصناعي وأطلقت لنا تقنيات واختراعات مذهلة. الابتكار والإبداع هو الذي يطلق شرارة الثورات الصناعية وأمريكا حتى هذا اليوم تمسك بعنان الإبداع من خلال تأسيس شركات وصناعات لتطبيق الابتكارات التي تأتي بها الجامعات ومراكز البحوث. والثورات الصناعية المستندة على الابتكار العلمي التي صارت تنهال علينا بين الفينة والأخرى بعد أن كان نشوء أي ثورة جديدة يستغرق مئات أو أحيانا آلاف السنين هي التي تؤدي إلى نمو ثروة الأمم. ولكن يبدو أن معادلة أو فرضية أنه كلما نمت وازدادت ثروة الأمم ظهرت لدينا فئة قليلة جدا تستأثر بها هي أكثر صحة اليوم من أي وقت مضى. يقول أصحاب الثروات الهائلة ومؤيدوهم إن الثورات الصناعية التي غيرت وجه الدنيا وكدست رؤوس الأموال لدى عدد محدد جدا من الأفراد هي التي جلبت الرخاء لأصقاع شاسعة من الأرض وأنقذت أعدادا كبيرة من البشر من براثن الفقر والحرمان. هذا صحيح ولكنه لا يعدو إلا نصف الحقيقة. السبب واضح وبسيط. الثروات الهائلة هذه التي تستحوذ عليها نسبة ضئيلة جدا من الناس لم تتمكن حتى الآن من انتشال أكثر من نصف البشرية من العوز والفقر المدقع. بمعنى آخر، اليوم لدينا في الأرض من الفقراء والمعوزين والمعدمين من الناحية العددية ربما ما يفوق عدد الفقراء في كل الأزمنة التي مرت بها البشرية. نأتي إلى الحلال والحرام حيث قلنا إن الأمر نسبي وذاتي. مع ذلك يجب أن تكون هناك معايير أو ضوابط. إن كنا نشترك في الوطن كمواطنين ونشترك في الكرة الأرضية كبشر نعيش عليها سويا، يحق لنا القول إن الثروة التي تتراكم لدى أي طرف ما تراكمت لولا جهودنا كلنا سويا. أي غني مهما بلغ حجم ثروته لما وصل إلى ما وصل إليه إن لم يكن جزءا من البيئة التي عاش فيها واستفاد كثيرا من البنى التحتية لهذه البيئة والخدمات التي تقدمها وكل هذه تعد ملكية عامة. الثروة التي تسهم بصورة مباشرة في نمو الملكية العامة، أي تعود فائدتها في النهاية إلى البيئة التي بواسطتها تمكن أصحابها من تكديسها، تصبح نعمة وحلالا. الثروة التي تصبح هي الغاية والوسيلة ولا تسهم في نمو الملكية العامة ولا تعود منافعها للبيئة التي ساعدت أصحابها على تكديسها أظن تخرج من نطاق النعمة والحلال.
إنشرها