FINANCIAL TIMES

«التجارة العالمية» عالقة من جراء الأزمة بين النظام والمنظمة


بعد موقفه المعلن من المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، فإن نظرة الرئيس ترمب حول منظمة التجارة العالمية تعد مختلفة تماما، عما كان يراه أسلافه على أنه أداة استراتيجية، وجعلها هدفا استراتيجيا.
عدم الاهتمام في قضية الألمنيوم المحتقنة يؤثر في صميم جدول أعمال التجارة لدى الإدارة: بدلا من محاولة استخدام المنظمة وعملياتها لتحقيق أهداف الولايات المتحدة، أعرب ترمب مرارا عن تفضيله الواضح للإجراءات أحادية الجانب والالتفاف حول المؤسسات الدولية.
قال الرئيس ترمب أمام زملائه من زعماء حوض الباسفيكي في فيتنام: "بكل بساطة، لم نتلق معاملة عادلة من قبل منظمة التجارة العالمية"، مشيرا إلى بلدان مثل الصين التي تتلاعب منذ فترة طويلة فوق الحد بنظام المنظمة. "لم يعد يمكننا تحمل تلك الإساءات التجارية المزمنة، ولن نتحملها".
النتيجة هي أنه في الوقت الذي التقى فيه وزراء التجارة من البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية والبالغ عددهم 164 بلدا في بوينس آيرس في اجتماعهم الذي يعقد كل عامين، واجهوا ما يراه كثيرون بأنه أزمة وجودية متسارعة لكل من الهيئة التي بلغت من العمر عقدين من الزمن، ونظام التجارة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والولايات المتحدة، التي كانت الضامن لذلك الهيكل، التي باتت تتزعم الآن الهجوم عليه.
التهم التي قدمها الرئيس ترمب ضد منظمة التجارة العالمية تتوقف على اعتقاده أن إنشاء المؤسسة في التسعينيات، ساعد في التسبب بألم اقتصادي عاناه الكثيرون في المجتمعات المحلية الأمريكية، في الوقت الذي خسرت فيه الوظائف لمصلحة المنافسين الجدد في الصين وفي أماكن أخرى.
يقول مسؤولو الإدارة إن منظمة التجارة العالمية فشلت في مهمتها المنتدبة إليها من حيث التفاوض حول قواعد جديدة للاقتصاد العالمي، وجعلت الولايات المتحدة عالقة في رسوم جمركية غير متماثلة.
وهم يقولون إن الإجراءات التي تقوم بها حاليا لم يكن هدفها قط التعامل مع رأسمالية الدولة التي ركبتها الصين، وأوصلتها للنجاح على مدى ثلاثة عقود.
ربما يعلن مؤيدو منظمة التجارة العالمية أن عملية تسوية المنازعات أصبحت بمنزلة عائق أمام الحروب التجارية، لكن يجادل المسؤولون الأمريكيون بأن النزاعات تستغرق وقتا طويلا فوق الحد، وينتهي بها الحال في أيدي هيئة استئناف يتهمونها بالتعدي على سيادة أعضاء المنظمة.
في ورقة بحثية قدمت في عام 2010، قال روبرت لايتثايزر، المسؤول التجاري لدى ترمب، إنه ينبغي على الولايات المتحدة التدخل في شؤون منظمة التجارة العالمية بشكل أكبر. من الناحية العملية، هذا ما يبدو أن إدارة ترمب تسعى للقيام به.
قال لايتثايزر أمام جمهور في واشنطن في وقت سابق من هذا العام: "أعتقد أن هنالك تحديا واحدا في المشهد الحالي هو أكثر صعوبة إلى حد كبير من التحديات التي واجهناها في الماضي ألا وهو الصين"، حيث وصف الجهود التي تبذلها لفرض التحول التكنولوجي و"تشويه" الأسواق في الصين، بأنه "تهديد غير مسبوق لنظام التجارة العالمي".
كما أضاف: "لسوء الحظ، منظمة التجارة العالمية ليست مجهزة للتعامل مع هذه المشكلة. يجب علينا أن نجد سبلا جديدة لضمان سيادة الاقتصاد المستند إلى السوق".
يقول دبلوماسيون في جنيف إنه منذ انتخاب ترمب، تلعب الولايات المتحدة دور غير بارز في معظم مفاوضات منظمة التجارة العالمية. يقول أحد كبار الدبلوماسيين التجاريين: "كانت الولايات المتحدة غائبة على مدى 12 شهرا إلى الآن، فهي ليست ضمن اللعبة مطلقا".
قبيل عقد اجتماعات منظمة التجارة العالمية السابقة، كانت الولايات المتحدة تلعب دورا رائدا في قيادة جدول أعمال التفاوض. في هذه المرة، يقول مسؤولون من بلدان أخرى تعمل في إبرام صفقات محتملة، في قضايا مثل القضاء على إعانات الصيد غير المشروع في كل أنحاء العالم، إنهم يأملون فقط في ألا تعرقل الولايات المتحدة اتخاذ أية إجراءات.
مع ذلك، اتخذت الولايات المتحدة أيضا هدفا مباشرا بشكل أكبر في قضية النزاع في منظمة التجارة العالمية، وبدأت في العمل على الشكاوى المقدمة حول عملية الاستئناف.
منذ أشهر وحتى الآن، عرقلت ملء الشواغر في هيئة الاستئناف المكونة من سبعة أعضاء في منظمة التجارة العالمية لأسباب فنية، يعتقد بعض المسؤولين الرسميين في جنيف أنها تخفي وراءها أجندة أكثر خبثا تستهدف الإطاحة بنظام المنازعات في المنظمة بشكل كامل، وإزالته كقيد على الإجراءات التجارية أحادية الجانب - سواء أكانت على شكل رسوم جمركية أو غيرها من التدابير الأخرى - من النوع الذي يحبذ ترمب اتخاذها.
يقول مسؤولو إدارة ترمب إن قتالهم حول هيئة الاستئناف يستند إلى شكاوى أمريكية مقدمة منذ فترة طويلة، ويشيرون إلى تحركات إدارة أوباما نفسها لعرقلة تعيين قضاة.
مايكل فرومان، كبير مسؤولي التجارة في إدارة أوباما، يشكك في ذلك. حيث يقول: "نزاعنا مع هيئة الاستئناف كان يقوم على أن بعض الأعضاء كانوا مبدعين فوق الحد في إيجاد القوانين. لم يكن النزاع حول إزالة نظام تسوية المنازعات الملزم في حد ذاته".
علاوة على ذلك، يعبر مسؤولون من بلدان أخرى عن شعورهم بالإحباط من الإدارة الجديدة في واشنطن، قائلين إنها لم توضح حتى الآن ما تريد تحقيقه في منظمة التجارة العالمية.
تقول سيسيليا مالمستروم، مفوضة التجارة لدى الاتحاد الأوروبي: "الجميع مستعد للعمل في مجال إصلاح النظام، لكننا بحاجة إلى معرفة ما الذي سيعنيه ذلك. إن لم يكن لدينا نظام لفض المنازعات في المنظمة، سنعود لشيء شبيه بالفوضى الشاملة. وهذا لن يكون مفيدا بالنسبة للولايات المتحدة".
إحدى مفارقات النهج الذي تتخذه إدارة ترمب هي أن الولايات المتحدة ليست بأية حال البلد الوحيد الذي يرى عيوبا في منظمة التجارة العالمية.
بدأ بعض المسؤولين في جنيف بالإشارة إلى أن منظمة التجارة العالمية تتخذ طابع الأمم المتحدة، مشيرين إلى الدور المعرقل الذي يمكن أن تتخذه بعض البلدان الصغيرة والزمر، بسبب تركيبة اتخاذ القرار القائمة على توافق الآراء لديها.
يتحدث آخرون الآن حول المنظمة وكأنها مكان يتم فيه فقط إبرام الصفقات التجارية ذات القاسم المشترك الأصغر، من خلال محادثات أصعب وأكثر طموحا حول اتفاقيات تجارية إقليمية أو قطاعية.
المفارقة الأكبر هي أن الكثير من البلدان حريصة على إيجاد أسباب للتعاون مع الولايات المتحدة - ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالتهديد المتصور الذي سببه النموذج الاقتصادي الذي تنتهجه الصين.
في مقاومتها لمساعي الصين أن تحظى بمكانة اقتصاد السوق في منظمة التجارة العالمية، لدى واشنطن الآن حلفاء لها في الاتحاد الأوروبي وفي بلدان مثل اليابان وكندا والمكسيك. هذه الصفة (أي اقتصاد السوق) مهمة بالنسبة لبكين كرمز، ولمساعدتها في محاربة قضايا مكافحة الإغراق المقدمة ضد صادراتها الرخيصة.
عندما رفض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منح الصين أمنيتها في عام 2016، أطلقت بكين قضايا في منظمة التجارة العالمية ضد الجانبين.
من المتوقع التوصل إلى قرار في قضية الاتحاد الأوروبي في مطلع 2019، مع اتخاذ محامي الصين قرارا بمنح تلك القضية الأولوية. في الوقت نفسه، حذر لايتثايزر من أن أي حكم لمصلحة الصين من شأنه أن يكون "زلزاليا" بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية.
كما يسعى مسؤولون من الاتحاد الأوروبي واليابان إلى إقناع الولايات المتحدة بأن هنالك مجالات أخرى يمكنها العثور فيها على قضية مشتركة ضد الصين في منظمة التجارة العالمية. من بينها تحقيق أجرته الولايات المتحدة في ممارسات الملكية الفكرية الصينية، والقواعد التي تتطلب من الشركات نقل تكنولوجيات مهمة.
يجادل المسؤولون من الاتحاد الأوروبي بأن الشركات الأوروبية قدمت الشكاوى نفسها، وأن من مصلحة الجميع أن يتم الأمر من خلال قضية مشتركة تقام في منظمة التجارة العالمية، بدلا من التحرك من جانب الولايات المتحدة لمواجهة الصين من جانب واحد واحتمالية إثارة حرب تجارية.
روبرتو آزيفيدو، الدبلوماسي البرازيلي السابق الذي يشغل منصب مدير عام منظمة التجارة العالمية، يقول إنه إذا شرعت الولايات المتحدة أو أية بلدان أخرى في اتخاذ إجراءات وفق مثل هذا المسار المنفرد، فإنها سوف تواجه خطر تكرار لحظات خطيرة في التاريخ الاقتصادي.
قال آزيفيدو في خطاب ألقاه في وقت سابق من هذا العام: "النظام التجاري متعدد الجوانب هو الآن أقوى مما كان عليه في السابق، وبصدق، نحن بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى.
وفي الوقت الذي يمكننا فيه بالتأكيد السعي لتحسينه، إلا أنني لم أسمع حتى الآن عن أي بديل موثوق لهذا النظام بالذات. من دونه، أعتقد أننا سنعيش في عالم تحكمه بالتأكيد الإجراءات الانفرادية، التي هي أساسا كناية عن الحروب التجارية. وأعتقد أننا جميعا، دون استثناء، سنكون أسوأ حالا مما نحن عليه الآن".
يبدي المسؤولون في إدارة ترمب وجهة نظر مختلفة في هذا الصدد، فهم يقولون إنهم يأخذون بلدهم نحو مسار أكثر كفاءة.
بدلا من دفع القضايا مثل قضية قطاع الألمنيوم في منظمة التجارة العالمية التي أثيرت في عهد أوباما - التي حتى إن تمت متابعتها بشكل حثيث ستحتاج إلى سنوات في التقاضي - تستخدم إدارة ترمب قوانين محلية تستهدف التوصل إلى نتائج في غضون أشهر.
أطلقت وزارة التجارة في الربيع تحقيقات في مجال الأمن الوطني حول واردات الألمنيوم والصلب، قد تؤدي إلى اتخاذ قرار بشأن الرسوم الجمركية خلال الأسابيع المقبلة.
وفي الأسبوع الماضي أطلقت من تلقاء نفسها قضية لمكافحة الإغراق ضد أغلفة صفائح الألمنيوم الصينية المستخدمة في أشياء مثل مزاريب البيوت - وهذه هي المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك منذ عام 1985.
لا يزال بعض المخضرمين في المجال التجاري يرون أن هنالك سببا وجيها يدعو للأمل. يقول جون ويكس، سفير كندي سابق لدى منظمة التجارة العالمية: "ما زلت أشعر بالتفاؤل طويل الأجل إزاء منظمة التجارة العالمية، فالأزمة التي تعرضت لها والتجربة شبه القاتلة قد تجعل الناس تنظر إليها بطريقة مختلفة".
بدأ آخرون في التفكير بإيجاد منظمة تجارة عالمية من دون الولايات المتحدة. وفي حال انسحبت إدارة ترمب بشكل كلي، قد تكون الخطوة الأولى التي ستتخذها القوى التجارية الأخرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي، هي المضي قدما من دون واشنطن.
حتى داخل المنظمة، هنالك منذ الآن دلائل على التغيير. في الوقت الذي لم تحل فيه بعد كل من الصين والاتحاد الأوروبي بشكل كلي مكان الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في غرف المفاوضات التي تجريها المنظمة في جنيف، يقول دبلوماسيون إن بلدانا أخرى بدأت في لعب دور أكثر حزما.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES