منظومة القيم والفساد الأكاديمي

|

نمو وتطور الأمم يعتمد على جودة النظام التعليمي، سواء العام أو العالي الجامعي أو الفني فبالتعليم يمكن معالجة المشكلات الاجتماعية والبيئية وتحقيق النمو الاقتصادي والتطور التقني، إلا أن هذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق ما لم يتطهر الميدان التعليمي من الفيروسات، خاصة الجامعات، ومؤسسات التعليم العالي، الفيروسات تتمثل في الفساد الأكاديمي الذي لا يقتصر على بلد دون آخر، أو جامعة دون أخرى، فالفساد الأكاديمي مصدره الفرد العامل في المؤسسة التعليمية، إذ قد يكون ضعيفا في تأسيسه العلمي، ويعاني قصورا معرفيا، وتنقصه المهارات البحثية، إضافة إلى ضعف القيم الأكاديمية، إن لم يكن انعدامها.
من الأمثلة البارزة على الفساد الأكاديمي ما قام به عالم النفس البريطاني بيرت، حيث كشفت سكرتيرته أن نظريته بشأن الذكاء بناها على أساس بيانات وهمية، غير مستمدة من الميدان، بل أنشأها من خياله، وهو في مكتبه، ما أحدث ضجة لدى المتخصصين ورفض للنظرية التي ساقها بشأن الذكاء. أسوق هذا المثال لما لمسته في السابق، وألاحظه في الوقت الراهن، حيث يوجد أفراد وجهات لا يمكن وصفها إلا بأنها من ضعاف النفوس، الفاشلين، الذين لا يستحقون شرف المؤهل الذي يحملونه، وشرف الانتماء للجامعة.
أقرأ في وسائل التواصل الاجتماعي عروضا تقدمها بعض الجهات لعمل البحوث، حيث تصل الجرأة إلى القول نحن نعمل لك البحث العلمي كاملا، وبسرية تامة، بل إن هذه الجهات تمنح شهادات عليا للباحثين عن التميز الوهمي.
الفرد، كما قلت هو الأساس، فمتى وجد الفرد الجاد النزيه المعد إعدادا جيدا وفق برنامج قوي في جامعة لها تاريخها وصيتها العالي، إلا أن مصلحة الوطن لا تترك للفرد، فالبيئة التعليمية الحازمة، المدركة لخطورة الفساد الأكاديمي هي التي يعول عليها لمحاصرة البؤر الفاسدة قبل أن تتسع رقعتها، وتتحول إلى ظاهرة تنهك النظام التعليمي، وتفسد، وتضعف المخرجات.
الأنظمة الحازمة يمكنها التخلص من أي عنصر فاسد يمثل استمراره في المنشأة مصدر فساد وقدوة سيئة، بل يشبه السوس الذي ينخر في العظام ليسقط النظام الأكاديمي، وحتى تحقق الأنظمة الأهداف التي وجدت من أجلها لا بد من إيجاد نظام متابعة ومحاسبة قوي تتم من خلاله معرفة العناصر القوية النزيهة من تلك العناصر الفاسدة.
قبل عدة أعوام قرأت كتابا بعنوان الفساد الأكاديمي في الجامعات المصرية، حيث أشار الكاتب إلى ممارسات يندى لها الجبين منها استغلال الأساتذة للطلاب بإجبارهم على شراء مذكراتهم ومؤلفاتهم وبأسعار غالية، كما أن بعض الأساتذة يستغل الطلاب لتقديم خدمة الدروس الخصوصية، وبعضهم كما يشير الكتاب يبيع الأسئلة للطلاب. من الممارسات الخطيرة السطو على المؤلفات والبحوث خاصة تلك المؤلفات في لغات أخرى ظنا ممن يقدم على هذه الأفعال أنه يصعب اكتشاف السرقة.
قبل عدة سنوات اكتشفت جامعة الكويت سرقة علمية لأحد الأساتذة المتعاقدين فيها وألغت عقده فتقدم إلى قسم علم النفس في جامعة الملك سعود، وأثناء السنة الأولى أبلغت جامعة الكويت جامعة الملك سعود بوضع المتعاقد فألغت الجامعة عقده، وهذا صنيع يشكر لجامعة الكويت، حبذا لو تم تطويره بإيجاد نظام تعاون بين الجامعات العربية يتم بموجبه تبادل المعلومات، والتعاون، بدلا من ترك الأمر للمصادفة.
صور الفساد الأكاديمي تتعدد إذ يوجد أشخاص لديهم استعداد لتقديم خدمات غير نظامية كإنجاز البحوث لمصلحة الكسالى أو الفاشلين من أعضاء هيئة التدريس، وقد أبلغني أحد رؤساء الأقسام أنه، في أول يوم من الدراسة استقبل أحد الأساتذة المتعاقدين عرض عليه خدماته الأكاديمية، المتمثلة في كتابة البحوث، أو الترجمة، كما أن من أمثلة الفساد الأكاديمي سعي بعض المتقدمين للترقية من مرتبة أكاديمية إلى أخرى إلى معرفة المحكمين المرشحين لتقييم إنتاجه العلمي، ومن ثم الاتصال بهم، إما بشكل مباشر، وإما بشكل غير مباشر، من خلال الأصدقاء، رغم أن الأمر يفترض أن يكون سريا، ما يفقد عملية التقييم الموضوعية والنتيجة الحتمية ترقي أفراد لا يستحقون الترقية.
من المؤكد أن الأساس لتفادي ومحاصرة هذه الممارسات النظام القيمي الذي يتمتع به الفرد مع ضرورة الاختيار الدقيق لأعضاء هيئة التدريس، وتطبيق الأنظمة بشكل حازم يحفظ للجامعات سمعتها ويحقق مخرجات عالية التأهيل متسلحة بالعلم والقيم.

إنشرها