ثقافة وفنون

«ذا بوست».. السياسة تحت رحمة الصحافة

لطالما شكلت الحروب وما يدور فيها مادة دسمة لتعرض، سواء على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة، فتاريخ السينما يعبق بروائح البارود والدم، ويكتظ بمشاهد القتل والدمار التي شهدتها الكرة الأرضية أثناء قتال أبنائها وصراعاتهم العبثية. فهناك كثير من الأفلام السينمائية التي ناقشت عديدا من الحروب، سواء العالمية الأولى أو الثانية أو الفيتنامية على وجه التحديد، ولن يكون آخرها "ذا بوست" المثير للجدل، سواء لما يكشفه من معلومات تم الإفصاح عنها أخيرا من "البنتاغون"، أو لشخص مخرجه "سبيلبرج" ومواقفه السياسية المعلنة والداعمة لإسرائيل، والتي أثارت الانقسام الجماهيري والجدال حوله، ولا سيما في لبنان، حيث واجه الفيلم هناك مقصلة المنع، قبل أن يُحسم القرار بالسماح بعرضه بدور السينما اللبنانية.

معارك عسكرية

على الرغم من أن المشاهد الأولى لفيلم ستيفين سبيلبرج الجديد "ذا بوست"‏ تُوحي بأننا أمام فيلم معارك عسكرية تدور رحاها في فيتنام، إلا أنه سرعان ما يبدأ المشاهد بإدراك أن أمامه فيلم حربي من نوع آخر، إنه حرب بين السلطة الحاكمة والسلطة الرابعة، بين أصحاب القرار والنفوذ، وأصحاب الأقلام، حرب بين الساعين إلى إخفاء الحقائق وبين أصحاب مهنة المتاعب الذين ينبشون أوراق الماضي الممهورة بختم سري للغاية، سعيا وراء الحقيقة الدامغة.
ما أن يسترسل المخرج بمشاهد فيلمه، ليدرك المشاهد أبعادا أخرى لهذا الفيلم المرشح لجائزة أوسكار، ألا وهي أنه ليس فقط أمام فيلم ينتمي لفئة الدراما والسيرة الذاتية فحسب، ليس مجرد رواية جرت أحداثها عن الحرب الأمريكية – الفيتنامية في عام 1971م، بل إنه أيضا عن حرية الصحافة ونزاهتها ودورها ومسؤولياتها في التوعية ونشر الحقيقة، وهو كذلك عن مكانة المرأة والمساواة في مكان العمل.

إرث حرب فيتنام

تتمحور قصة الفيلم حول أحداث حقيقية تتعلق بإرث حرب فيتنام وما فعلته  خلال 40 عاما من السياسة للولايات المتحدة الأمريكية، خلال فترة رئاسة 4 رؤساء، وإخفاؤهم حقيقة مهمة عن شعبهم وهي اليقين بعدم إمكانية الانتصار بتلك الحرب العبثية التي ذهب ضحيتها مئات الألوف من الجانبين الأمريكي والفيتنامي.
ويصور فيلم "ذا بوست"، الذي أنتجته شركة "تونتيث سينتشوري فوكس" الأمريكية، ‏معركة الصحف إبان عهد الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون، وصراعهم لنشر أوراق وزارة الدفاع، البنتاجون المسربة، التي تسرد تفاصيل الحقيقة التي أخفتها القيادة الأمريكية حول استحالة الفوز في حرب فيتنام. ويلعب بطولة الفيلم توم هانكس في دور رئيس تحرير واشنطن بوست بن برادلي وميريل ستريب، التي تقوم بدور ناشرة صحيفة واشنطن بوست كاثرين جراهام.

بداية القصة الحقيقية

بعد أجواء القصف والمعارك التي بدأ بها الفيلم في فيتنام، ظهر مراسل صحفي حربي يحمل آلة كاتبة يدون عليها الأحداث الجارية. ويظهر هذا الشخص واسمه دانييل إلزبرغ، يقوم بدوره الممثل ماثيو ريس، يعمل في مركز الدراسات والأبحاث، وهو يستمع لوزير الدفاع روبرت ماكنامارا، يجسد شخصيته بروس غرينوود، الذي يصب جام غضبه سرا إزاء حقيقة كون الولايات المتحدة عالقة في فيتنام، ولكنه يؤكد الوسائل الإعلام بعد دقائق قليلة من ذلك أن بلاده تحرز تقدما في المعارك، وهذا ما يحبط ‏ إلزبرغ الذي نراه في المشهد الثاني وهو يسرق ملفات سرية، وذلك فور وصوله وطنه، ويقرر تسريب تلك الوثائق على أثر امتعاضه لكذب المسؤولين وزعمهم كذبا وزورا وبهتانا أنهم متقدمون في تلك الحرب.

المطبخ الصحافي

ثم قفزت بنا كاميرا سبيلبيرج السحرية إلى عام 1971، ليجد المشاهد نفسه داخل المطبخ الصحافي  لجريدة "واشنطن بوست" التي تمتلكها الكاتبة الصحافية كاثرين غاراهام، ويرأس تحريرها بين برادلي، ولشدة براعة الإخراج يشعر المشاهد نفسه يتجول بين مكاتب الصحيفة وأنه واحد من طاقمها الصحافي، ولا سيما أمثالنا الذين خبروا كواليس مهنة "صاحبة الجلالة". لقد برع المخرج بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وجعل المشاهد جزءا من صناعة الصحافة في السبعينيات، متجولا بين ماكنات الطباعة يرصد عملية النشر، وتجميع الكلمات، وظهور الجريدة، حيث تابعت الكاميرا حركة آلات الطبع بصورة ممتازة، خاصة مع موسيقى جون ويليامز التي كانت في أفضل صورها بهذه الأجزاء.

هيبة رئيس التحرير

كما أدخلتنا كاميرا المخرج، الذي ليس فقط واحدا من أشهر وأنجح المخرجين في هوليود، ولكن كذلك من أذكاهم وأكثرهم موهبة، إلى كواليس إدارة جريدة يومية بعيدا عن الصورة النمطية غير الواقعية التي دأبت الأفلام الأخرى بتجسيدها عن الصحافة ورجالها، فجعلنا نقف أمام شخصية صحافي محترف، عاشق لمهنته، يحظى باحترام الجميع، الذي يتسم بالذكاء والتمرد، ولا يعرف مصطلح "غير صالح للنشر". وقد برع توم هانكس بإضفاء قدر أكبر من العمق والغموض، والهيبة التي يجب أن يتحلى بها رؤساء التحرير.

بين نشر الوثائق وعدمه

حصلت السلطات الأمريكية بعد بدء صحيفة "نيويورك تايمز" في نشر وثائق "البنتاجون" على أمرٍ قضائي يحول دون نشر مزيد منها، ما يضع صحيفة واشنطن بوست في وضع يمكنها من الاستمرار في الكشف عن هذا التقرير المثير للجدل، ويرى برادلي هذا فرصة سانحة للاستفادة من هذا الملف، رغم المخاطر التي تكتنف ذلك، التي تتمثل في إمكانية توجيه تهمة الخيانة ‏له ولغراهام بسبب نشر وثائق سرية، أي أن الاستمرار بهذا القرار بالطبع يحمل عواقب وخيمة، فإذا هاجمت الحكومة صحيفة واشنطن بوست بعد نشرها لهذه المعلومات، فقد تخسر غراهام الشركة. كما قد يخسر الموظفون وظائفهم، وقد يذهبون إلى السجن. إلا أن القرار كان بالنشر في النهاية، ونجحت الصحيفة بالحصول على حكم قضائي يدعم حرية الصحافة.

إثبات مكانة المرأة

وبرعت بطلة الفيلم ميريل ستريب، بتجسيد لشخصية وريثة واشنطن بوست، كاثرين غراهام، حيث تمكنت ببراعة من تأدية دور أرملة وجدت نفسها فجأة بموقع القرار وتتحمل مسؤولية إدارة صحيفة أمريكية عريقة، من بعد وفاة زوجها فيليب في عام 1963. وأظهرت قدرتها التمثيلية الرائعة على إتقانها تلك الشخصية التي تتطور بشكل سريع بين مشهد وآخر حتى تصبح بالنهاية أكثر قوة وثقة بنفسها، وتصارع لإثبات مكانة المرأة القيادية في عالم يطغوه الرجال، ما دفع الصحيفة نفسها في مقال نشرته عن الفيلم أخيرا، إلى اعتبار أداء "ستريب" في الفيلم الأفضل خلال القرن الـ 21، وأنها لا تستبعد حصول النجمة على ترشيح جديد لجائزة الأوسكار عن فيلم "ذا بوست".

أحداث تفاعلية

ويجمع عدد من النقاد على اعتبار أن أجمل مشاهد الفيلم، هو ذلك المشهد الذي تتخذ فيه "غراهام" قرار نشر وثائق "البنتاجون" السرية في صحيفته، والذي ترافق مع بدء ماكينات الطباعة في العمل، والاهتزازات التي تعرضت لها مكاتب الصحيفة، وبالتحديد مكتب الصحافي "باجيكيان"، في ذلك إشارة واضحة وبارعة من المخرج سبيلبرغ، مؤداها أن نشر هذه الوثائق سيسبب زلزالا يطيح بنيسكون ويجعله خارج أسوار البيت الأبيض، وهذا ما تحقق لاحقا في الواقع بعد سنوات، حيث اضطر على الاستقالة على وقع فضيحة "وترغيت".

رسائل سياسية

وفي المقابل يأخذ كثير على هذا الفيلم الذي ألفه الثنائي جوش سنجر وليز هانا، المبالغة في اعتماده على المباشرة والوضوح للفت الانتباه إلى رسائله السياسية، والمباشرة المفرطة في الخطاب، سواء عند الحديث عن حرية الصحافة وأهميتها وقوتها، أو دور رئيسة تحرير الواشنطن بوست كاي جراهام، كأول سيدة تستلم منصبا بهذه الأهمية، والتحديات التي تمر بها كسيدة.
تجدر الإشارة الى أن الفيلم حقق 57 مليون دولار أمريكي حول العالم حتى الآن، وهو ما يوازي قيمة موازنته التي بلغت 50 مليون دولار أمريكي.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون