FINANCIAL TIMES

الغرب: 40 عاما من الانخراط مع الصين .. «مجرد خدعة»

بعد وقفة قصيرة عقب مذبحة تيانانمن عام 1989، انخرطت معظم الديمقراطيات المتقدمة مع الصين منذ أواخر السبعينيات، اعتقادا منها أن الصين سوف تتكامل مع النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة، وستصبح في النهاية أكثر شبها بتلك الديمقراطيات.
هذه الافتراضات تتعرض الآن للهجوم، في الوقت الذي يدرك فيه الغرب بشكل متأخر أن الصين لا تنوي فتح نظامها السياسي.
وفي الوقت نفسه، هناك قلق متزايد بشأن جهود بكين لتشكيل الطريقة التي تفكر بها البلدان الغربية، عبر تسويق نموذجها الاستبدادي.
خلال الأسبوعين السابقين حذرت أجهزة المخابرات الألمانية والنيوزيلندية علنا من تهديد عمليات التجسس والتأثير الصينية في بلديهما. وعقد الكونجرس الأمريكي في واشنطن جلسة استماع لبحث "الذراع الطويلة للصين".
قال ماركو روبيو رئيس اللجنة التنفيذية للكونجرس حول الصين: "محاولات الحكومة الصينية لتوجيه أو شراء أو فرض الولاء للنفوذ السياسي، والسيطرة على مناقشة مواضيع ’حساسة‘ منتشرة بشكل واسع، وتشكل تحديات خطيرة في الولايات المتحدة وحلفائنا المشتركين معنا في العقلية".
وفي حين يتركز اهتمام العالم على الادعاءات بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية في العام الماضي، إلا أن عمليات الصين الأكثر انتشارا حظيت باهتمام أقل بكثير، حتى وقت قريب.
يقول كريستوفر جونسون، الرئيس السابق لمكتب الصين في وكالة الاستخبارات المركزية، والآن زميل أعلى في مركز الاستراتيجية والدراسات الدولية في واشنطن: "العمليات الصينية أكثر براعة بكثير، وأقل استهدافا، وتدور أكثر حول بناء التأثير على المدى الطويل من العمليات الروسية".
ويضيف: "في الوقت الذي نبدأ فيه بإدراك أن الصين تعتزم تحويلنا إلى اشتراكيين بدلا من أن تصبح أقرب شبها بنا، فإن النقاش في الغرب يتخذ اتجاها أكثر تشددا، والناس يتساءلون الآن عما إذا كان 40 عاما من الانخراط، مجرد خدعة".
بصرف النظر عن نشاط التجسس التقليدي، الذي تمارسه معظم البلدان، فإن عمليات النفوذ الصينية موجهة من قبل فرع غير معروف كثيرا في الحزب الشيوعي الحاكم، معروف باسم "إدارة عمل الجبهة المتحدة".
هذه العمليات تشتمل على الجهود الرامية إلى استقطاب أو تخريب مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة والمؤسسات، على الرغم من أنها تستهدف في المقام الأول الشتات الصيني – الذين يقدر عدده بما لا يقل عن 100 مليون شخص، في جميع أنحاء العالم.
الهدف الرئيسي لهذه العمليات هو عزل وتهميش تهديدات متصورة على الحزب الشيوعي من المنشقين الصينيين في الخارج، والناشطين في مجال حقوق الانسان والديمقراطية، ودعاة استقلال التبت وتايوان أو مقاطعة كسيانج "تركستان الشرقية" ذات الأقلية المسلمة، وهونج كونج التي تتمتع بالحكم الذاتي.
في السنوات الأخيرة توسع الهدف، وهو يشمل الآن جهودا لإقناع النخب الغربية والجمهور الأوسع بمشروعية الحزب الشيوعي وحقه في حكم الصين.
على خط المواجهة في هذا الصراع، توجد أستراليا، حليف الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، والشريك الأمني الحاسم في آسيا، التي تعاني حقيقة أن اقتصادها القائم على تصدير السلع الأساسية، يعتمد بشكل رئيس في النهوض والانتعاش على الطلب الفعال من الصين.
حذر رئيس المخابرات في أستراليا أخيرا من تهديد "لم يسبق له مثيل"، يفوق التهديد الذي كان موجودا حين قام العملاء السوفيات باختراق الحكومة خلال الحرب الباردة.
في الاتحاد السوفياتي يسعى للتأثير في النخب الغربية والتأثير في الخطاب من خلال جاذبيته الأيديولوجية المثالية. الحزب الشيوعي الصيني الحديث لديه شيء أكثر إغراء بكثير للديمقراطيات الرأسمالية - حجم ووعد اقتصاده الآخذ في التوسع والنمو المتصاعد.
يقول ديفيد شامبو، مدير برنامج السياسة الصينية في جامعة جورج واشنطن: "يعتقد الحزب تحت حكم تشي [جين بينج] أنه ينخرط في حرب" هوايو زانشنج " أي حرب الخطاب مع الغرب، إذ يظن الحزب أن الغرب يتمتع بالهيمنة على وسائل الإعلام، ولا بد من التصدي له".
تنفق الصين ما بين عشرة مليارات دولار و12 مليار دولار سنويا على مجموعة واسعة من جهود "القوة الناعمة" - من حملات الضغط التقليدية والعلاقات العامة إلى أشكال أكثر سرية لبناء النفوذ.
تعتقد وكالات الاستخبارات الغربية أن هذا هو جزء من حملة مدبرة أوسع من قبل بكين، لإدراج عملاء النفوذ داخل أعلى المستويات في الديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم.
جنبا إلى جنب مع سياسة "الجزرة"، أي المكافآت من المشاركة الاقتصادية والوصول إلى الأسواق، تستخدم بكين أيضا سياسة العصا.
يتم رفض منح تأشيرات لزيارة البلاد لصحافيين وساسة ورجال أعمال وأكاديميين يعتبرون "غير وديين" تجاه الصين، ويهاجمون من وسائل الإعلام الحكومية، ومن متصيدين مدفوع لهم عبر الإنترنت، بل يستهدفون أحيانا من قبل قراصنة صينيين.
يقول المدافعون عن هذه المبادرات إن بكين تريد "أن تروي قصة الصين جيدا" وإنها لا تتصرف بشكل مختلف عن البلدان الغربية، وتورد تدعم الحكومة الأمريكية لمنظمات تمول الجماعات المؤيدة للديمقراطية في جميع أنحاء العالم، كما أن المراكز الفكرية التي تعمل في واشنطن، لديها فروع دولية تروج لرؤية أمريكية للعالم.
هذه الحجة تتجاهل حقيقة أن معظم أعمال الجبهة المتحدة تتم سرا، وليس علنا، وهنا الفارق.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES