فهم أنواع وتغير الطلب قبل الحديث عن تأثيره

|

يحدث كثيرا أن يرتفع سعر سلعة ما بقوة مع مرور السنين، فيصبح الحصول عليها بالكميات والمواصفات السابقة عزيزا صعبا على كثيرين. وطبعا سينخفض الطلب بصورة ملحوظة. ومن ثم يتنبأ كثيرون بانخفاض شديد أي انهيار في السعر بسبب امتناع / أو عدم قدرة كثيرين على الحصول على السلعة. وللتوضيح، مسمى سلعة يشمل أيضا الخدمة.
هذا التنبؤ بحتمية سقوط السعر بقوة، إلى النصف مثلا بسبب ضعف الطلب، يدل على فهم غير دقيق لطبيعة السلع وتفاعلات الناس والأسواق مع تغير الأسعار.
الأدق أن نقول إن ارتفاع سعر السلعة جعل الحصول عليها من قبل كثيرين في حكم المتعذر بالنوعية والكميات السابقة. والكميات هنا حسب طبيعة السلعة إما مساحة أو وزن أو حجم.
ارتفاع الأسعار قد يكون وقتيا، كارتفاع أسعار الإقامة في أماكن وأوقات بعينها. وقد يكون الارتفاع بسبب ممارسات غير عادلة، كالاحتكار، حيث يمكن للحكومة التدخل وكبحها. وقد يكون الارتفاع لغير هذين. وعليه ستستمر الأسعار مرتفعة، إلا إذا حصلت ظروف تضعف الاقتصاد أو تجعل الرغبة في السلعة تضعف كثيرا، كحصول تطورات تقنية.
وفي الحالة الثانية، أي أن الارتفاع ليس لظروف وقتية أو ممارسات غير عادلة، فالمجال بعد ارتفاع الأسعار قائم لتوفير نوعية و/أو كمية تختلف عما تعود كثير من الناس عليها في الماضي. والمتوقع أن يفرض الغلاء على كثير من الناس القبول بذلك، وتقليل طموحاتهم في كمية السلعة ومواصفاتها.
أتوقع أن سوء فهم النقطة الحالة الثانية هو مصدر الخلط وسوء الفهم حينما يجزم أحدهم بتأثير انخفاض الطلب على الأسعار، بما يجبر البائعين مع الوقت على بيع الكميات و/أو النوعيات السابقة بالسعر السابق أو قريبا منه. هذا الكلام صحيح لو كان الطلب جامدا، بمعنى أن الناس ترغب في الحصول على السلعة بالكميات والنوعيات التي تعودوا عليها في السابق، أو لا ترغب في الحصول عليها بتاتا. لكن البشر ليسوا كذلك.
وهنا فرصة لاستطراد حول معنى وأنواع الطلب.
كلمة طلب في علم الاقتصاد تعني القدر من السلعة أو الخدمة التي يرغب الناس في الحصول عليها ويسعون فعلا لتحقيق رغبتهم وهم قادرون على توفير قيمتها في وقت بعينه وفي سوق بعينه. أما مجرد الرغبة فلا تعد طلبا، لأن النفوس خلقها الله تبتغي دوما المزيد والمزيد من متع الدنيا.
ويرسم الاقتصاديون العلاقة بين السعر والقدر المطلوب بما يعرف بمنحنى الطلب.
هناك عوامل عديدة مؤثرة في الرغبة والقدرة. من هذه العوامل:
• سعر السلعة نفسها. والعلاقة عادة عكسية، بمعنى أن زيادة السعر تخفض الطلب على السلعة والعكس بالعكس.
• سعر السلع الأخرى ذات العلاقة. وتختصر بعلاقة تكامل أو بدل. التكامل يعني أن هناك سلعا يزيد الطلب عليها مع زيادة الطلب على سلع أخرى. الحلويات والسكر والسيارات والبنزين مثالان واضحان. وبعض السلع تكون بديلا عن سلع، ومن ثم فالعلاقة في الطلب عكسية. أنواع البنزين مثال واضح. الرعاية الصحية الحكومية أو الخاصة، ونوع وحجم الوحدات السكنية مثالان آخران، وإن كانا أقل وضوحا. طبعا نتحدث عن وقت بعينه، أما مع مرور الوقت فإن الأمور ليست كلها دوما جامدة.
• الدخل الشخصي، وتأثيره في الطلب مفهوم، فهما يتحركان في اتجاه واحد في أغلبية السلع.
• التوقعات المستقبلية على الأسعار والدخول والظروف، وتؤثر توقعاتنا المستقبلية في تصرفاتنا الحالية. وقدر التصرف يعتمد على عوامل عديدة.
• الأذواق والعادات.
• تزايد السكان.
ويمكن النظر إلى الطلب من زاوية أخرى، وهي نمط الطلب.
هناك طلب سلبي، يعني وجود رد فعل سلبي من المستهلك تجاه الحصول على السلعة لأسباب دينية أو عادات أو غير ذلك.
وهناك طلب موسمي. أي وقت المناسبات الدينية أو غير الدينية.
وقد لا يوجد طلب أصلا، غالبا بسبب الجهل حول السلعة، أو كونها بعيدة جدا عن اهتمامات مستهلك بعينه.
هل توجد فجوة طلبية؟ بمعنى وجود فجوة بين ما يرغب الحصول عليه، وما هو متوافر.
نعم الظروف تجعلها موجودة. لكن من المستبعد استمرارها. اقتناص الفرص موجود، ومن ثم فهذه النقطة تفيد في التسويق لسلعة جديدة، أو للتوسع أو إحداث تعديل في سلعة قائمة. ويرتبط باقتناص الفرص فكرة الطلب الكامن أو المحتمل مستقبلا.
هناك الكثيرون الذين انتقدوا فكرة توفير السلع بناء فقط على الطلب عليها، والمفترض التوفير بناء أيضا على الاحتياجات الإنسانية من حيث هي. وهنا تدخل قضايا كثيرة في النقاش.

إنشرها