المعلم ما بين الهيبة والعنف

|

انشغل الكثيرون في مواقع التواصل بتداول مقطع فيديو حول معلم يعنف أحد الطلاب خلال الأيام الماضية، وتفاوتت ردة الفعل ما بين من يخشى على ضعف هيبة المعلم ومن يخشى على الطالب ومستقبله! هذا الجدل يستحق التوقف والاهتمام. فمن جهة، لا بد أن يكون المعلم قدوة للطالب لكي يكون مؤثرا من الناحية التربوية وكذلك التعليمية، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال أمرين هما: الأول هو معايير القبول في كليات التربية وتطبيقها على أرض الواقع، والثاني هو التقويم الدوري العادل لأداء المعلم من النواحي العلمية والسلوكية. وينتج عن التساهل في هذين الأمرين غياب المعلم القدوة الذي يغرس القيم النبيلة والمعاني السامية في نفوس الطلاب. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن التساهل في هذين الأمرين ينتج عنهما ظهور المعلم القاسي في التعامل مع الطلاب أو استمرار معلم غير مناسب في ممارسة مهنة التدريس مع علم مدير المدرسة في بعض الأحيان عن إخلال المعلم بأخلاقيات مهنة التعليم.
وبخصوص اعتداء هذا المعلم على أحد الطلاب، انقسمت الآراء – كما ذكرت آنفا – إلى مؤيد ومعارض أو "متفهم". فمن جهة، حذر الشيخ صالح المغامسي، إمام وخطيب مسجد قباء في المدينة المنورة، من أن إسقاط هيبة المعلمين نذير شؤم على العملية التعليمية كلها، منتقدا بعض المحامين والتربويين الذين يتكلمون بكلام نظري حالم لا يطبق حتى في عالم الملائكة، وواصفا قرار الفصل بحق المعلم المعتدي بالضرب على طالب بالخطأ. وربما تكون حوادث العنف ضد المعلمين سببا في اتخاذ هذه المواقف الأكثر تفهما لقيام المعلم بضرب الطالب. ولكني أعتقد أن هيبة المعلم لا تتحقق بالعنف اللفظي أو الجسدي، وإنما يفرضها المعلم القدير المؤهل من خلال غزارة علمه، وتمكنه في تخصصه، وسلوكه المستقيم وتعامله الأبوي مع الطلاب بأخلاق عالية وشخصية متزنة.
وفي المقابل رأى أغلب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أن ما قام به المعلم يستحق الإبعاد عن مهنة التعليم لكي يكون عبرة لمن تسول له نفسه التعامل بالعنف مع الطلاب، خاصة أن مشاهد هذا العنف اللفظي والجسدي تتكرر بين فترة وأخرى، مع خشية بعضهم من أن ما يظهر هو قمة جبل الجليد، خاصة أنه من الصعوبة ضبط حالات ممارسة العنف في الفصول التي يمنع فيها دخول الهواتف الذكية ولا يوجد أي نوع من المراقبة لما يجري داخل القاعات المغلقة. لذلك لجأت بعض المدارس الأهلية بتركيب كاميرات في الفصول!
وعلى الرغم من أن هذه المشكلة لا تبدو – في اعتقادي - منتشرة بكثرة في مدارسنا، فإنها خطيرة جدا، ولا ينبغي التهاون بها، خاصة مع الآثار السلبية التي يمكن أن تتركها في نفس الطفل لسنوات طويلة قد تتسبب في تحطيم طموحاته ومستقبله التعليمي. لذلك ينبغي بذل السبل ووضع الأنظمة والإجراءات المؤسسية التي تكشف عنها وتعالجها قبل استفحالها من أجل ضمان سلامة الطلاب وتزويدهم بما يستحقون من تعليم وتربية. فأقترح مراجعة الأنظمة والإجراءات المتعلقة بذلك مع تقويم مدى تطبيقها والعمل بها في إدارات التعليم المختلفة. كما أقترح تشكيل لجنة في كل إدارة تعليم تقوم بتقويم أداء المعلمين من خلال الاستنارة بآراء التلاميذ حتى لو كانوا صغارا، على أن يكون ذلك عنصرا من عناصر تقييم المعلم، بشرط أن يتم التعامل مع آراء الطلاب بحذر وحكمة. ومن الضروري تعزيز الجسور بين المدرسة وأسرة الطالب للمساعدة في حل المشكلات إن وجدت، وعقد دورات وورش عمل حول أساليب التعامل مع الطلاب وأخلاقيات المهنة مع توعية الطلاب بحقوقهم وواجباتهم تجاه المعلم.

إنشرها