تطور المنزل السعودي

|

مر المنزل السعودي بمراحل تطور كثيرة خلال الفترة الماضية من حيث المواد المستخدمة للبناء، وكذلك تصميم المنزل ووظيفته وحجمه، حيث بدأت البيوت بسيطة صغيرة، والمادة الأساسية المستخدمة للبناء هي الطين في بعض مناطق المملكة، والحجر في مناطق أخرى، ولا سيما تلكم المناطق ذات الطبيعة الجبلية، ثم بدأت البيوت الشعبية ذات السقف الحديدي "الشينكو" والبلوك من الجوانب في الرواج، وغالبا سنجد هذا النوع من البناء ما زال موجودا في المناطق العشوائية، وما زال حجم المنزل صغيرا في هذه المرحلة، وتلتها المنازل الخرسانية التي بدأت بالظهور في السبعينيات حتى الآن، وتميزت بمتانتها لاستخدام الخرسانة المسلحة بالحديد كمادة أساسية للبناء يدعمها البلوك والأسمنت، كذلك ظهرت في المشاريع الكبرى تقنية الخرسانة مسبقة الصنع، التي كانت تحوي ألواحا خرسانية يتم تصنيعها في مصانع متخصصة ثم تركيبها على أرض المشروع، وكانت أحجام المنازل في ذلك الوقت كبيرة، وكمتوسط من الممكن القول، إن فيلا بمساحة 600 متر مربع كانت حجما طبيعيا ومناسبا للعائلة السعودية. بدأت أحجام المنازل السعودية صغيرة ومكوناتها بسيطة وتصميمها يقتصر على وظيفة أساسية وهي لم شمل الأسرة وتوفير مكان مناسب للنوم، تغيرت الظروف والاحتياجات فدخلت فكرة البناء لأكثر من دور وبات وجود دور أرضي بالمطبخ مخصصا لجلوس العائلة بشكل يومي، وجزء آخر مخصص للضيوف يتمثل في المجلس الرسمي وغرفة الطعام "المقلط"، ويحوي الدور الأول في بعض الأحيان غرفة نوم للضيوف أو مكتبا عاما للاستخدام، أو مجلس نساء كما يفضله البعض، الدور الثاني يحوي غرف النوم ومنها ما يعرف بالرئيسة التي لها دورة مياه خاصة وبعضها لها دورة مياه مشتركة بين غرفتين، أما الملاحق فتبدأ من الملحق العلوي الذي يكون مخصصا غالبا للخادمة وغرفة لغسل الملابس، والملحق الخارجي يتكون من غرفة سائق وفي بعض الأحيان غرفة لاستقبال الزائرين أو "بيت شعر" في بعض الأحيان، هذا النمط من المنازل بدأ في نهاية السبعينيات حتى بداية الألفين ميلاديا بالانتشار على مساحات للأرض كانت بين 600 و800 متر مربع، وتقلصت حتى أصبحت بين 300 و500 متر مربع حاليا، وهنا أؤكد أنني أتحدث عن المنازل لذوي الدخل المتوسط، ويلاحظ المتابع لسوق الإسكان التغير الحاصل في سلوك المستهلكين الراغبين في شراء منازلهم، حيث بدأ منذ سبع سنوات تقريبا التوجه لشقق التمليك التي لم تكن محبذة سابقا، ولعل أبرز أسباب التحول لهذا النوع هو غلاء أسعار الفيلات المنفردة، ولذلك أصبحت الشقق بديلا مناسبا، وكذلك تطور أنظمة فرز الوحدات السكنية التي أتاحت تملك وحدة سكنية داخل مبنى ذي مرافق مشتركة، ولعل ما سيعزز هذا المفهوم بشكل أكبر حاليا هو تفعيل نظام اتحاد الملاك، الذي سيضمن جودة التعايش بين ملاك الوحدات السكنية ذات المرافق المشتركة التي من أبرزها الشقق، واليوم بعد ارتفاع فواتير الخدمات الأساسية مثل الماء والبدء في خطة رفع الدعم عن الكهرباء أعتقد أن النمط مستقبلا للمنزل السعودي سيميل إلى تقليص المساحات ومحاولة رفع كفاءة الأرض لاستغلال مساحتها بأكبر قدر ممكن ولأعلى عدد ممكن من الأسر، فلا يمكن العيش في ظل الظروف الحالية والمستقبلية في المنازل التي مساحتها أعلى من 500 متر مربع، حيث إن تكاليف الخدمات لمثل هذه المساحات ستكون متعبة ماديا على أصحابها، وإذا حسبنا فقط تبريد هذه المسطحات البنائية وقت الصيف فتجد أنها تكلف آلاف الريالات شهريا، وهذا مكلف على أصحاب الدخل المتوسط، ولذا ظهر في الآونة الأخيرة كثير من عروض الفيلات القديمة التي يرغب أصحابها في بيعها، بسبب مساحتها الكبيرة ورغبتهم في الانتقال إلى أحياء جديدة ومنازل ذات مساحة أصغر ومواصفات أعلى لتكون أكثر توفيرا للطاقة، وأما من يرغب في البقاء بالحي نفسه فقد قام بإزالة منزله القديم وبناء أكثر من منزل متجاور ليعيش فيه رب الأسرة وأولاده ليكونوا متجاورين، وفي الوقت نفسه مقتصدين في المساحة والفواتير. الخلاصة، هذه التغيرات التي حصلت للمنزل السعودي وأثرت في نمط وسلوك المستهلكين للوحدات السكنية لم تكن لتحصل لولا وجود عديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، فنجد أن غلاء أسعار الأراضي يجعل الأغلبية تميل لتصغير حجم الوحدة السكنية، ثم التغيرات في تسعير الخدمات الأساسية للمنزل أدت إلى وجود حافز للتخلص من المساكن ذات المساحات الكبيرة والعزل الضعيف، كما أن نوع المواد المستخدمة الموفرة للطاقة سيكون لها الرواج مثل مصابيح الإنارة من نوع LED والأجهزة الكهربائية ذات الكفاءة العالية، وحاليا الكثير يتحدث عن موضوع الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية، لذا مع كل هذه التغيرات التي حدثت والتي ستحدث أعتقد أن سوق الإسكان تفتقر بشدة لحصر هذه الأحداث وتغير الأنماط عن طريق البحوث والدراسات التي تركز على مدى تغير سلوك المستهلكين للوحدات السكنية، وهذه البيانات والنتائج ستجعل اتخاذ القرار بالنسبة للمؤسسات الحكومية التي ترتبط بالسكن أكثر حكمة، وكذلك ستوضح الحاجة الحالية والمستقبلية لمطوري المساكن بشكل أكثر دقة ليتمكنوا من تضييق الفجوة بين العرض والطلب أولا بأول.

إنشرها