نهاية العالم

|
قد يرى البعض عنوان المقال هذا باهتا بعض الشيء وربما مكررا. في الحقيقة لم يدر في خلدي التركيز عليه، حيث كان في نيتي التطرق إلى مادة أخرى مختلفة تماما. ما جذب انتباهي إلى هذا الموضوع مقال نشرته مجلة "نيوساينتست" New Scientist قبل نحو أسبوع يحمل الشق الأول منه العنوان ذاته، والشق الثاني يتنبأ بفناء الحضارة الغربية، وصار له صدى كبير في الصحافة الغربية. كل ثقافة أو حتى مجموعة بشرية قد ترى "نهاية العالم" بشكل مختلف. في اللغة العربية العبارة لها مدلول ديني وكذلك ثقافي. والديانات والثقافات قد لا تختلف في نظرتها إلى أن "نهاية العالم" قادمة، بيد أن كلا منها لها تفسيرها الخاص لها من حيث الزمن والطريقة التي ستقع بها. هناك قصص وروايات كثيرة حول هذا الموضوع. وفي العصر الحديث لا نكاد نعبر تاريخا يرى فيه البعض أننا سننتهي نحن والأرض التي نحن فوقها حتى نصبح أمام تاريخ جديد آخر. وهناك مدلول مجازي أيضا. مثلا، عند حدوث تحول جذري أو حادث غير متوقع حسب منظورنا قد نقول "هذه نهاية الدنيا أو نهاية العالم". وهذا يحدث أيضا عند بروز مظاهر ثقافية تزيح ما تعودنا عليه. وكل الأديان تقريبا لها مفهوم محدد لنهاية العالم. الأديان التي من السماء لها أسماء مثل "يوم الحشر" أو "يوم الحساب" أو "يوم القيامة". ولكن مقال المجلة هذه تجاوز كل هذه المفاهيم، وركز على الحضارة الغربية وأتى من الأدلة والبراهين والأمثلة ما يجعل نهاية هذه الحضارة قادمة لا محالة وأن اللوم يقع على أصحابها وليس على ما أتت به الكتب الدينية أو ما يروجه أصحاب نظريات الفناء أو نهاية الدنيا. وأنا أعيش في الغرب وألاحظ في السنين الأخيرة خشية كبيرة من أن الحضارة الغربية صارت على شفا الهلاك والنهاية. المشكلة الكبرى التي يواجهها الغرب التي قد تؤدي إلى فناء حضارته الحديثة تكمن في أن هذه الحضارة جعلت عيش الفرد الواحد مكلفا جدا من عدة أوجه منها المعاشية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ـــ مكلفة إلى درجة أن الأرض ومصادرها لم يعد بإمكانها تحمل عبء تكلفتها. الفرد الواحد في دولة مثل السويد يحتاج إلى ما لا يقل عن ألفي دولار شهريا كي يستطيع العيش فوق خط الفقر بالمفهوم الحضاري الغربي. زيادة أي فرد من حيث الولادات أو الهجرة معناه زيادة العبء، بصورة عامة، ومنها الخشية من قدوم الأجانب لأنهم في نهاية المطاف سيشاركون المواطنين الرخاء الذي ينعمون به. ما يحدث هو أن إمكانية الحفاظ على الرخاء لم تعد متاحة لا بل هي في تناقص. والطبقات ذات الدخل المحدود هي التي تعاني، وهي التي تعتمد على الحدّ الأدنى للأجور، وهي الطبقة الساحقة. ونمت في السنين الأخيرة طبقة ثرية لا تمثل أكثر من 1 في المائة من السكان إلا أن ملكيتها قد توازي ما يملكه بقية السكان. وكي تتم المحافظة على الرخاء ـــ الذي له دور كبير في المحافظة على الأمن والاستقرار ـــ أخذ أصحاب هذه الحضارة في الاستحواذ على المصادر الطبيعية واستغلالها بطرائق تبدو مفيدة ظاهرا وحاضرا إلا أن تبعاتها لها في الغالب آثار مدمرة. والحضارة الغربية متهمة حتى من قبل أصحابها أنها مادية لا حدود لجشعها بغض الطرف عما تسببه من آثار سلبية في البيئة. ومن ثم لم يعد أمام العالم نموذج اقتصادي واستهلاكي كي يحتذي به غير هذه الحضارة. والعالم كله تقريبا بوده أن يرتقي ويتطور، وهذا يعني الحصول على رخاء يشبه ما لدى أصحاب الحضارة الغربية. ونحن نرى اللهاث وراء المصادر الطبيعية يزداد يوما بعد آخر مع مسعى دول كبيرة مثل الصين والهند وغيرهما دخول معترك الرخاء حسب المفهوم الغربي. كنت أناقش ظاهرة الحضارة الغربية ولا سيما توجهها الاستهلاكي الذي لا حدود له مع زميل جامعي لي وهو أستاذ لامع في علم الاقتصاد، فكان جوابه: "الأرض مثل الأم. الأم لها قابلية رضاعة طفل أو أقصى حد طفلين وهذا استثناء. أمنا الأرض نجبرها أن ترضع مئات الأطفال في آن واحد بدلا من طفل أو طفلين. فخمن أي مستقبل ينتظرها وينتظرنا معها". وهذه أول مرة يقلق الغربيون على حضارتهم بصورة جدية ويتحدثون بصوت عال عن الفناء المرتقب ونهاية عالمهم.
إنشرها