كبسولات التطور والمتابعة الجيدة

|
لا ينكر أحد أن التطورات الاقتصادية والتنظيمية التي حدثت خلال الـ 30 شهرا الأخيرة، كانت سريعة جدا بشكل يجعل متابعتها بشكل جيد تحديا كبيرا، ومتابعة تأثيراتها وتفاعلاتها مع بقية الأحداث تحديا أكبر. وأكبر مثال على ذلك تدشين ضريبة القيمة المضافة ومقدار ما استهلكته من انتباه ــــ وهي تستحق الانتباه ـــ على حساب مواضيع أخرى مهمة. هناك جانب إيجابي لهذه التغييرات، إذ إنها تصنع كبسولات مضغوطة من لفت الانتباه وتزيد من زخم المعلومات المتداولة التي تشكل حجر الأساس لثقافة مالية ـــ اقتصادية جديدة لم نعهدها سابقا. في هذا المقال سأستعرض مجموعة من التغييرات الجوهرية التي تدخل ضمن إطار التطورات المحاسبية والمالية المؤثرة في القطاع الخاص بشكل مباشر والاقتصاد ككل، التي ما زلنا نعيش تفاصيلها. تستحق هذه التغييرات إفراد المقالات والدراسات، وأتمنى من المهتمين والمراقبين الاستمتاع برؤية التفاعلات ومحاولة الربط بين نتائجها. سأسرد بعض أهم هذه التطورات دون ترتيب محدد. على رأس القائمة يأتي التحول لمعايير المحاسبة والمراجعة الدولية. وفي هذا الأمر كثير من التفاصيل والتغييرات، منها ما يظهر بشكل مباشر ومنها ما يحدث بشكل تدريجي. تبدأ القوائم المالية المدققة لعام 2017 والمتوافقة مع المعايير الدولية في الخروج في هذه الأيام للشركات المدرجة، ولبقية المنشآت خلال السنة المقبلة. يمكننا النظر للتغييرات من زاويتين، الأولى، الإيضاحات الجديدة الأكثر تفصيلا، منها ما يعتبر زيادة في جودة وكمية المعلومات المعروضة في القوائم المالية، ومنها ما يدخل ضمن القيمة التي يصنعها مراجع الحسابات مثل النسخة الموسعة من تقرير مراجع الحسابات التي تعرض أمور المراجعة المهمة التي تحتوي على معلومات مؤثرة حول دور ومسؤولية مراجع الحسابات. وثانيا، المعالجات المحاسبية المختلفة وهي تتنوع وتراوح في الأهمية حسب القطاع وأهمية البند في ذلك القطاع ومنها الاستخدام المتزايد للقيمة العادلة والقيمة الزمنية للنقود. وفي التطبيق لأول مرة شروط خاصة تشمل بعض الإعفاءات كذلك. يذكر أن الدراسات تشكك في تأثير التحول للمعايير الدولية في أداء الشركات ولكن الظروف المختلفة لكل دولة وبيئة تجعل النتائج مختلفة كذلك، ناهيك عن أن تحسين الأداء ليس الغاية الوحيدة من تدشين مثل هذه المعايير الموحدة. تطوير النظم الضريبية يعد تطورا تاريخيا جوهريا، بدأ هذا التطور من عام 2004 بضريبة الدخل والاستقطاع وتعزز خلال الأشهر الماضية بضريبة السلع الانتقائية والقيمة المضافة. لا ينحصر التطور في تدشين المتطلبات الجديدة فقط، بل إن التطوير الهيكلي لقنوات وأساليب فرض الضريبة وتحصيلها والتناقل المعلوماتي الحاصل محفز تنموي على مستوى الاقتصاد عموما وعلى أساليب إدارة التحديات المالية للأعمال، ومن ذلك على سبيل المثال الفاعلية الجمركية المتطورة وتقنين دور وتفاعل الجهات الحكومية وشبه الحكومية مع القطاع الخاص. وقد تضاف برامج إعادة هيكلة الدعم نفسها لهذه القائمة، التي تؤثر ـــ بالتزامن مع الالتزامات الضريبية ـــ في السلوكيات الاستهلاكية بشكل كبير. يضاف إلى هذه القائمة التطورات الجوهرية التي نالها نظام الزكاة التي انحصرت تقريبا في تثبيت بعض الممارسات القائمة وتأكيد بعض المعالجات، وإن كانت لا تحظى بقبول واسع بعد أو خالفت التوقعات بتغيير جذري في أسلوب إدارة الزكاة. الأكيد أن الأسلوب البطيء السابق لم يعد يخدم الأغراض التنموية القائمة، ويجب أن يخضع لمزيد من التطور لكيلا تصبح الزكاة خارج منظومة الجباية الجديدة. تطورت كذلك مجموعة مهمة من الأنظمة في ظروف أفضل من السابق؛ إذ صاحب تطورها بيئة تنفيذية جديدة تدعمها تطورات ــــ تحدث بشكل مواز إلى حد ما ـــ في الممارسات القضائية ونشاط قوي في محاربة الفساد. المجموعة الأولى تشمل النظم التجارية وعلى رأسها نظام الشركات الجديد وفيه عدد جيد من التطورات الجوهرية التي تمس كثيرا من تطبيقات الأعمال بشكل مباشر، ويتبعه مزيد من التطورات المهنية والتنظيمية لمجالات وممارسات محورية مثل الحوكمة والإفلاس والتقييم. والمجموعة الثانية تطورات أسواق المال التي تشمل قائمة طويلة من التنظيمات الجديدة والمبادرات المتنوعة التي تزيد من عمق الممارسات الاستثمارية وتنوعها. من ينظر إلى باقة التغيير التجاري والاستثماري التي تصنع يجدها بين كفتي ميزان، فالحوافز والخيارات في ازدياد بينما الضوابط والعقوبات تعمل بشكل أكثر فاعلية من ذي قبل؛ وهذا أمر إيجابي يصنع التحديات والفرص بشرط ألا ترجح كفة الميزان إلى أحد الجانبين بشكل مفاجئ. لهذا، أعتقد من الواجب على الجميع ـــ أفراد ومنشآت ـــ أن يكون لديهم آلية لمتابعة المستجدات والسيطرة على تأثيراتها. الطريقة الوحيدة لتعظيم نتائج هذه الأعمال تنحصر في المسؤولية التثقيفية الذاتية على المستوى الشخصي وداخل المنظمات كذلك. التفاعل بالتعلم واستغلال الفرص أفضل من المراقبة السلبية التي تكتفي بتعليقات مثل: "الأمور تتغير بسرعة"، فهذا في حد ذاته لا يساعد على التحسن.. والقطار لن ينتظر أحدا.
إنشرها