لماذا تأخرت صناعة قطع الغيار؟

|

نقلت صحيفة "الاقتصادية" عن المتحدث الرسمي للجمارك قوله إن قطع غيار السيارات بلغت قيمة استيرادها ثمانية مليارات و700 مليون ريال خلال عام 1417، وذكر الخبر أن المبلغ في عام 1416 بلغ ما يزيد على عشرة مليارات، وما من شك أن هذا المبلغ كبير جدا، فكيف إذا أضيفت له مبالغ شراء السيارات ذاتها، ومبالغ المعدات والمتحركات الأخرى، وقطع غيارها، فهذا يشكل إنفاقا هائلا يضر في نهاية المطاف بالاقتصاد الوطني، فما يخرج من الوطن لا يعود. نحن وطن نامٍ يحتاج إلى إعادة تأسيس الاقتصاد الوطني وفق فلسفة تؤمن أن الوطن يجب أن يؤهل أبناءه التأهيل القوي الذي يؤهلهم للقيام بمعظم الأنشطة إن لم يكن كلها.
المبالغ الضخمة التي تنفق على المركبات، والمعدات، وقطع غيارها إذا ما أضيف لها تحويلات العمالة الوافدة تشكل ميزانيات هائلة على حساب الثروة الوطنية، المعتمدة في الأساس على البترول، كمصدر أساس للاقتصاد. هذا الخبر وغيره مما يتعلق بالوطن واقتصاده يستوقف المرء المهتم بمصلحة الوطن الشاملة. سبق أن أعلن عن نية إيجاد شركة مساهمة لصناعة قطع غيار السيارات، لكن انقطع الحديث عن الموضوع، ولم أسمع عنه شيئا، ولا أدري هل وزارة الصناعة صرفت النظر عن الموضوع، أم لا يزال تحت الدراسة، أم أن هناك من مصلحته في استمرار الاستيراد، ولا يرغب في قيام هذه الشركة، لذا سعى لتعطيل الموضوع؟
أسباب كثيرة في ظني لهذا المبلغ الضخم، لقطع الغيار أولها ما ورد في الخبر من أن قطع الغيار المقلدة التي تدخل سوق المملكة تمثل أحد الأسباب، والمواطن مثلي يتساءل: لماذا يسمح بدخول البضائع المقلدة؟ فالمواطن سيفضل الأرخص، إذا توافر، أو أنه لا يستطيع شراء الأصلي، لذا يلجأ للتقليد، وهذا يتحمل مسؤوليته وزارة التجارة، والجمارك، وهيئة المواصفات والمقاييس، وحماية المستهلك، ولا يمكن الاعتماد على وعي المستهلك، بل لا بد من توفير الأصلي، وبالأسعار المعقولة. من الأسباب كثرة السيارات في المملكة، الناجم عن افتقاد مدننا وسائل المواصلات العامة التي تغني عن اقتناء السيارات الكثيرة، كما أن السرعة الجنونية داخل المدن، وعلى الطرق السريعة، وما يترتب عليها من حوادث تزيد من ارتفاع الفاتورة، ولا ننسى وضع الشوارع، من مطبات، وحفريات تدمر الجديد والقديم.
عندما اشتريت سيارتي الحالية مضت خمس سنوات لم أغير البطارية، لكن بعد ذلك في كل سنة ونصف، أو أقل أغيرها رغم أني أشتري صناعة وطنية، ما يعني أن خللا ما يوجد في المعايير المعتمدة، سواء في الاستيراد، أو التصنيع المحلي، أو غياب الرقابة من قبل الجهات المسؤولة.
عودا على الشركة المساهمة فيما لو تم إيجادها ستكون فرصة لتوظيف كثير من الناس أموالهم، ما يعطي فرصة لتوزيع الدخل، ومصدرا إضافيا يساعد المواطنين على مواجهة تكاليف الحياة، إضافة إلى أن إقامة مصنع، أو مصانع لقطع الغيار سيوفر وظائف لأبناء الوطن الباحثين عن عمل بدل العطالة المؤذية لهم، ولأسرهم، وللوطن بكامله.
المؤسسة العامة للتعليم التقني والفني يفترض أن يكون لها دور في تأهيل، وإعادة تأهيل الكوادر الوطنية للعمل في قطاع الصناعة، والأعمال الفنية، ومواكبة الجديد، ولو قدر لصناعة السيارات، وقطع غيارها أن تأسست فلا بد من جعل الشباب السعودي نصب أعين الجهات المعنية لتتأسس على أيدي المواطنين، حتى لا نجد أنفسنا بعد مدة معتمدين، ومضطرين للعنصر الوافد، ما يعقد المشكلة فيما بعد. ولدينا نماذج مشرقة، كما في شركة أرامكو، وشركة تعدين التي أنشأت معهدا خاصا في منطقة الحدود الشمالية مهمته إعداد الشباب للعمل في مصانع وعد الشمال.
كلما أذهب إلى إحدى الصناعيات في أي مدينة من مدننا لا أجد سعوديا واحدا يعمل في الورش، وأجد معظم الجنسيات، ومن دول ليس لديها إمكانات التدريب التي لدينا، وأتساءل أين الخلل؟! أتذكر في أول سنة من سنوات البعثة زرت مدينة ديترويت، المدينة الشهيرة في صناعة السيارات، وقد لفت انتباهي كثرة الإخوة اليمنيين في المدينة، وتساءلت عن سر وجودهم هناك ليكون الجواب أنهم يعملون في صناعة السيارات، ومنذ عقود، ما يعني أنهم خضعوا لتدريب أهلهم للعمل في هذه الصناعة، ولم يذهبوا من اليمن معدين، إذ لم تكن قد بلغت التنمية في اليمن وفي تلك الأزمنة مبلغا يتم بموجبه استقطاب اليمنيين لخبرتهم، بل تم توظيفهم، كعمالة رخيصة، أخضعت للتدريب، حتى تأهلت لهذه المهنة.

إنشرها